تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وليس هذا الاختصاص بهم إلّا لأنّ الكتاب والميزان لا يكونان إلّا عندهم ، فإنّهم عالمون بعلم الكتاب كلّه ، ولديهم الميزان ، وهي : قوّة العصمة التي شرّفهم اللّه بها . والمفهوم من ظاهر الآية أنّ قيام الناس بالقسط متوقّف على إنزال الكتاب والميزان ، ونتيجة متفرّعة عليه ، ممّا يدلّ على أنّ قيام الناس بالقسط لا يحصل إلّا بإنزال الكتاب والميزان ، فلا بدّ لكلّ من يتولّى أمر الحكم نيابة عن الرسول وخلفائه أن يملك من الكتاب والميزان القدر الميسور المتاح للإنسان غير المعصوم ؛ ليتيسّر له قيادة الناس للقيام بالقسط . والقدر المتاح للإنسان غير المعصوم من علم الكتاب هو معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية عن أدلّتها ، وهو ما يعبّر عنه ب‍ « الفقاهة » أو « الاجتهاد » ، والقدر المتاح للإنسان غير المعصوم من قوّة الميزان هو ملكة العدل التي هي عبارة عن : رسوخ صفة التقوى في النفس رسوخا يجعل صدور المعصية من الإنسان ممتنعا عادة . ثمّ إنّ الآية الكريمة وإن لم تكن بصدد التشريع مباشرة بل بصدد الإخبار عن حقيقة تاريخيّة ، وقد تضمّن هذا الإخبار : الإشارة إلى علاقة واقعية تكوينيّة بين إنزال الكتاب والميزان من جهة ، وبين قيام الناس بالقسط من جهة أخرى ، غير أنّ كون المخبر مشرّعا من جهة - وليس من شأن المشرّع الإخبار المحض - ومعلومية وجوب قيام الناس بالقسط في تشريعه من جهة أخرى : يعطي لكلامه هذا دلالة عرفية على أنّ قادة الناس للقيام بالقسط لا يجوز - في هذا التشريع إن لم يكونوا أنبياء أو معصومين - إلّا أن يكونوا عالمين بالكتاب ، بقدر ما يتاح لهم من العلم بالكتاب ، ومتّصفين بالميزان بالقدر الذي يتاح لهم من ذلك أيضا ، ولهذا فهذه الآية تدلّ على اشتراط « العدالة » في وليّ الأمر ، بل وعلى اشتراط « الفقاهة » فيه أيضا . ويدلّ أيضا على وجوب اتّصاف الحاكم والوليّ بالعدالة قوله تعالى
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 291 | الشيخ محسن الأراكي