تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
يخلو أيّ مجتمع من جهة متصدّية لها قائمة بها ، ولولاها لزم الهرج والمرج والفوضى التي يقطع بعدم رضى الشارع به قطعا من غير ترديد . وقال رضوان اللّه عليه في كتاب الحدود من « مباني تكملة المنهاج » في ذيل عبارة المتن التي جاء فيها : « يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الأظهر » : هذا هو المعروف والمشهور بين الأصحاب . . . ويدلّ على ما ذكرناه أمران : الأوّل : أنّ إقامة الحدود إنّما شرّعت للمصلحة العامّة ، ودفعا للفساد وانتشار الفجور والطغيان بين الناس ، وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان ، وليس لحضور الإمام عليه السلام دخل في ذلك قطعا ، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقضي بإقامتها في زمان الغيبة ، كما تقضي بها زمان الحضور . الثاني : أنّ أدلّة الحدود - كتابا وسنّة - مطلقة ، وغير مقيّدة بزمان دون زمان ، كقوله سبحانه :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
، وقوله تعالى :
السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
، وهذه الأدلّة تدلّ على أنّه لا بدّ من إقامة الحدود ، ولكنّها لا تدلّ على أنّ المتصدّي لإقامتها من هو ؟ ومن الضروريّ أنّ ذلك لم يشرّع لكلّ فرد من أفراد المسلمين ، فإنّه يوجب اختلال النظام ، وأن لا يثبت حجر على حجر ، بل يستفاد من عدة روايات أنّه لا يجوز إقامة الحدّ لكلّ أحد . . . [ إلى أن قال : ] فإذن : لا بدّ من الأخذ بالمقدار المتيقّن ، والمتيقّن هو من إليه الأمر ، وهو : الحاكم الشرعي . وتؤيد ذلك عدّة روايات : منها : رواية إسحاق بن يعقوب . . . : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة اللّه » ، ومنها : رواية حفص بن غياث ، قال : سألت أبا عبد اللّه من يقيم الحدود ؟ السلطان أو القاضي ؟ فقال : « إقامة الحدود إلى من له الحكم » ، فإنّها -