هذا وقد تعمّدنا نقل جوانب من كلام الشيخ بالنصّ - رغم طوله - ليتّضح للباحث رأي الشيخ بدون غموض ، فإنّ عبارته في كتاب القضاء تدلّ بالصراحة على ثبوت الولاية للفقيه بأوسع معانيها ، أي أنّها تدلّ على أنّ كلّ صلاحيّات الحاكم والرئيس قد أثبتها الشارع للفقيه في عصر الغيبة ، وعبارته في « المكاسب » تدلّ على نفس النظرية حذو النعل بالنعل ، ولكنّ الذي أدّى إلى أن يشكّك بعض من لم يعط كلام الشيخ حقّه من التأمّل في نظرية الشيخ حول ولاية الفقيه - في كتابه « المكاسب » - هو ما قام به الشيخ في هذا الكتاب من التفصيل في معنى « الولاية » ، وذهابه إلى أنّ الدليل غير واف في ثبوت الولاية - بالمعنى الأوّل للفقيه - .
لكن من الواضح أنّ الولاية التي نبحث عنها - هنا - للفقيه لا حاجة في ثبوتها إلى إثبات الولاية « بالمعنى الأوّل » ! فقد وضّحنا في أوائل بحثنا في هذا الكتاب أنّ « الولاية » التي نبحث عن ثبوتها للفقيه هي الولاية التي يقول بها عرف العقلاء لكلّ صاحب سلطة في المجمع البشري ، وهي أن تملأ إرادة ما فراغ الإرادة الناشي من اختلاف الرأي في القضايا الاجتماعية ، أو الناشي من غياب الإرادة الصالحة للقرار ، فيما لا بدّ فيه من قرار ، وهذا هو عين ما أثبته الشيخ الأنصاري للفقيه من « المعنى الثاني » للولاية ، فقد صرّح الشيخ بأنّ هذا المعنى الثاني للولاية :
1 - يشمل « الأمور العامّة التي يفهم عرفا دخولها تحت « الحوادث الواقعة » ، وتحت عنوان « الأمر » في قوله
أُولِي الْأَمْرِ *
» .
2 - وأنّه يشمل : « الأمور التي يكون مشروعيّة إيجادها في الخارج مفروغا عنها ، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية » .
3 - وأنّه يشمل : « مطلق الأمور التي لا بدّ من الرجوع فيها - عرفا أو عقلا أو شرعا - إلى الرئيس » .