ولكونها الفرصة المتاحة التي يتمكّن فيها الفقهاء من القيام بالبعض الميسور من واجب « الولاية العامّة » بين الناس : قوله في نهاية هذا الفصل من كتابه « الكافي في الفقه » :
وليعلم أنّ الحكم بين الناس رتبة عظيمة ، ومنزلة جليلة ، ورئاسة نبويّة ، وخلافة إماميّة ، لم يبق في أعصارنا هذه وما قبلها بأعصار من رئاسات الدين غيرها . . [ إلى أن قال : ] فليتقّ اللّه من عرض لذلك ، فلا يتقلّده إلّا بعد الثقة من نفسه بالقيام بما جعل إليه ، وإذا علم من نفسه تكامل الشروط ، فعرض للحكم ؛ وجب عليه تكلّفه ، لكونه أمرا بمعروف ونهيا عن منكر ، فإذا تقلّده فليصمد للنظر في مصالح المسلمين ، وما عاد بنظام الملّة ، وقوّى الحقّ ، وليجتهد في إحياء السنن ، وإماتة البدع ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإبطال ما يتمكّن منه من أحكام الجور ، وإنفاذ ما استطاعه من الحقّ . « 1 »
فالفقيه الحلبي إنّما ينظر إلى القضاء باعتباره الفرصة العملية الوحيدة التي بقيت للفقهاء ؛ لكي يقوموا من خلالها بواجبهم الكبير في تطبيق حكم اللّه في الأرض ، وإقامة العدل ، ولهذا فيجب عليهم - حسب النصّ أعلاه - أن يصمدوا من خلال هذه الفرصة للنظر في مصالح المسلمين ، وما عاد بنظام الملّة والدين ، وأن يجتهدوا في إحياء السنن ، وإماتة البدع ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .
إذن فمسئولية الفقهاء الأولى هي : إقامة نظام الدين ، والنظر في مصالح المسلمين ، وإحياء السنن ، وإقامة النظام الإلهي بشكل عام ، وإنّ ولايتهم في القضاء إنّما هي جزء من ولايتهم العامّة ، التي تعني : تطبيق الأحكام الإلهية - جميعها - على الناس أجمعين ، ضمن ما تتاح لهم من ظروف ، وقدرات ، وإمكانيات ، ودعم جماهيري ، وحماية بشريّة كافية .
هامش
( 1 ) . نفس المصدر 5 : 107 .