[ الجمع بين الأخبار ]
شرح
واستدلّ على عدم الوجوب أيضا مضافا إلى هذه الأخبار بالأخبار الكثيرة ، الحاصرة لما فيه الزكاة بالتسعة ، الحاكمة بأن رسول اللّه « ص » وضع الزكاة عليها وعفا عمّا سواها ، وبما مرّ من الغنية من الاجماع ، ومن الانتصار من ظن انفراد الاماميّة .
والشيخ على ما هو من عادته جمع في التهذيبين بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الاستحباب . وتقدّمه على ذلك أستاذه المفيد في المقنعة . وتبعهما من تأخّر عنهما من أصحابنا :
ولكن ناقش في ذلك في الوافي ، فقال : « في هذه الأخبار ما يشعر بأنّ الأخبار الأولة انّما وردت للتقية ، إلّا ان صاحب التهذيبين وجماعة من الأصحاب حملوها على الاستحباب » « 1 » .
وتبعه على ذلك صاحب الحدائق ، فقال في ضمن كلام له : « الاستحباب حكم شرعي يتوقّف على الدليل الواضح . ومجرد اختلاف الأخبار ليس بدليل يوجب ذلك ، كما لا يخفى على المنصف . ومع ذلك فانّه لا ينحصر الجمع بين الاخبار فيما ذكروه ، بل لا يبعد حمل الروايات المتقدّمة على التقيّة ، حيث انّ الوجوب مذهب أبي حنيفة والشافعي واحمد على ما نقله في المعتبر وفي صحيحة زرارة وموثقة ابن بكير وعبيد وجماعة من أصحابنا ما يشير إلى ذلك » .
وقد مرّ من صاحب الحدائق نظير ذلك في الاخبار الدالّة على ثبوت الزكاة في الغلّات غير الأربع .
ومحصّل كلامه بتوضيح منّا انّ صرف الجمع التبرعيّ لا يكون ملاكا للفتوى بشيء .
والاستحباب أيضا مثل الوجوب حكم شرعي يحتاج إلى الدليل ، والجمع المعتبر هو الجمع الذي يساعد عليه العرف ، كما هو الحال بين العامّ والخاص والمطلق والمقيد وكالأمر بشيء ثمّ الترخيص في تركه ، حيث يحمل الأمر حينئذ على الاستحباب . وليس المقام كذلك ، بل مفاد أحد الدليلين ثبوت الزكاة بنحو الوضع ومفاد الآخر نفيها من غير اشعار فيه بثبوتها بنحو الاستحباب : فالدليلان متناقضان متباينان ، فيجب الأخذ بما خالفهم « 2 » .
هامش
( 1 ) - الوافي ، ج 2 ، م 6 / 16 .
( 2 ) - الحدائق 12 / 108 .