[ موضوعات الأحكام تؤخذ من العرف بدقته العرفية لا بمسامحته ]
شرح
فلنعقد هنا مسألتين : المسألة الأولى : موضوعات الأحكام وان كانت تؤخذ من العرف لا من العقل الدقي ولكنها تؤخذ من العرف بدقته العرفية لا بمسامحته . فالنجاسة كالدم وغيره لو أزيلت وبقيت رائحتها أو لونها فالعقل وان كان يحكم ببقاء الموضوع لاستحالة انتقال العرض ولكن العرف بدقته العرفية يحكم بارتفاع العين وهو المحكّم ، ولكن المقدار كالنصاب والكر والصاع ونحوها لو نقص منه شيء يسير فالعرف وان كان ربما يحكم ببقاء المقدار ولكنه بنحو المسامحة لا الدقة بحيث ان العرف بنفسه أيضا يتوجه إلى كونه تجوزا ومسامحة ومثله لا يكون موضوعا للحكم بلا اشكال .
هذا ولكن قال في مصباح الفقيه ما حاصله : « ان المسامحة العرفية قد تكون في الصدق كإطلاق المثقال أو الرطل أو المن أو غير ذلك من أسماء المقادير على ما نقص عنه بمقدار غير معتد به مسامحة فهذا مما لا اعتداد به في التقديرات الشرعية ، وقد تكون في المصداق كإطلاق الذهب على الذهب الرديء غير الخالص ، واطلاق الحنطة على الحنطة غير النقية عن الاجزاء الارضيّة وشبهها المستهلكة فيها ، وكذا اطلاق التراب في التيمم على المشتمل على مثل الشعرة وبعض اجزاء الحشيش الذي قلما ينفك أكثر الأراضي عنه . وهذا النحو من المسامحة موجب لاندراج الموضوعات تحت مسمياتها عرفا فيكون اطلاق العرف أساميها عليها اطلاقا حقيقيا فيترتب عليها أحكامها .
وتوهم الفرق بين التراب والحنطة ونحوها بدعوى غلبة اختلاف الحنطة ونحوها بغير الجنس فلا يتبادر من الاطلاقات الّا الأفراد المتعارفة بخلاف التراب مدفوع أولا بأن اختلاف التراب بغير جنسه أغلب ، وثانيا ان المدار على اطلاق الاسم وعدم انصرافه عنه لا كونه فردا غالبيا » .
أقول : الحق ان الخليط ان كان مستهلكا بحيث يراه العرف معدوما كالمواد المعدنية المستهلكة في الماء أو التراب فلا حكم له لما عرفت من أخذ الموضوع من العرف لا من العقل .
واما في غير هذه الصورة فان غلب الخلط بحيث تنصرف الاطلاقات الشرعية إلى ما له خلط لكونه الفرد الموجود المتعارف بين الناس كمثال الذهب مثلا فان قوله : « في عشرين دينارا نصف دينار » ينصرف إلى الدنانير الرائجة بين الناس وهي لا تخلو من خليط حيث إن الذهب الخالص لا ينطبع ما لم يدخله شيء من النحاس ، ففي هذه الصورة أيضا يكون موضوع الحكم هذه الأفراد المتعارفة ، وقد أشار اليه في المصباح بلفظ التوهم مع أنه أمر متين إذ الانصراف كالقرينة المتصلة المبينة لموضوع الحكم . ولعل من هذا القبيل أيضا مثال الحنطة في الزكاة فان الحنطة التي توجد في أيدي الناس وتقع موردا لمعاملاتهم هي الحنطة التي يوجد فيها خليط يسير من المدر والتبن ونحوهما وليس الخليط مستهلكا بحيث لا يراه العرف ولذا يغربلون الحنطة ويخلّصونها إذا أرادوا طحنها لأنفسهم ولكن الموضوع لمعاملاتهم ومعاشراتهم ما له خليط ، فالمأمور دفعها في الزكاة