أقول : قد أورد الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه اللّه على التمسّك بإطلاق هذه الروايات بأنّ المراد منها بيان حكم انكشاف كون يوم الشكّ من رمضان بعد فرض ثبوت الكاشف ، وليست في مقام بيان حكم الكاشف وأنّه يحصل بمجرّد رؤيته في بلد من البلاد ولو كان في غاية البعد ؛ فكما لا دلالة في هذا الإطلاق على الشروط المعتبرة في البيّنة ، فكذا لا دلالة على الشروط المعتبرة في البلد « 1 » .
ولكنّ الحقّ أنّ النصوص المذكورة كما تكون في مقام بيان حكم الانكشاف ، كذلك بإطلاقها دالّة على حكم الكاشف ، إذ الملاك في التمسّك بالإطلاق هو البيان لا المقصود الأصليّ المجهول لنا .
أجل ، إطلاقها من ناحية الكاشف لا يكون بحيث يعمّ كفاية رؤية الهلال في بلد للحكم بثبوته في جميع البلاد حتى المتباعدة التي تختلف معه في الأفق ، بل النصوص منصرفة في تلك الأزمان عرفا وبحكم الغلبة إلى شهادة من رأى الهلال في حوالي البلد أو في البلاد المتقاربة منه ، فإنّه المرتكز في أذهان العرف المخاطب بالحكم الشرعيّ آنذاك ، مثل شهادة أهل مكّة بالنسبة إلى المدينة أو الكوفة إلى بغداد ، وذلك لأنّ في أزمنة صدور الروايات المذكورة كانت المسافرة من البلاد البعيدة كبلخ ومرو وبخارا إلى الكوفة أو المدينة تطول مدّة طويلة كشهر أو أزيد ، وبعد مضيّ تلك المدّة الطويلة وتحمّل مشاقّ السفر ، انصرفت الأذهان عن مسألة رؤية الهلال في تلك الأماكن ، وتوجّهت الهمم إلى أمور أخر غير زمان بداية شهر رمضان أو شوّال أو ذي الحجّة وأمثالها ، ولا يسأل أحد أحدا غالبا عن زمان رؤية تلك الشهور ، بل ربما ينسون أنّ أوّل الشهر أيّ يوم كان .
هامش
( 1 ) - كتاب الصوم للشيخ الأعظم رحمه اللّه ، ص 256 .