أنّ هذا التفصيل لا يعلم قائل به ، مع أنّ الاتّخاذ أخصّ من الاستقبال ؛ فيبقى الاستقبال الغير الاتّخاذي داخلًا في الموثّق ، وكغيره من الجهات ؛ فالمسألة بعدُ غير صافية عن التأمل الذي لا مجال له في ما يتسامح فيه من المكروهات بعد ما عرفت .
فلعلّ الأقرب الحمل على الكراهة بمراتبها ؛ كما يشهد بعد ما عرفت ، اختلاف تعابير الروايات في التجويز مطلقاً ، والمنع كذلك ، والتجويز مع الاختلاف ، والمنع كذلك ، فيحمل على كراهة الأصل الخفيفة في ما بين القبور ، أي بين خللها ، في قبال الاتّخاذ قبلة المكروه شديداً الزائلة بالبعد الخاصّ حتّى في الاستقبال ، حتّى الاتّخاذيّ منه إذا لم ينته إلى المعلوم حرمته بغير هذه الروايات ويشهد لذلك السيرة القطعيّة ، والارتكاز القطعيّ ، وسهولة أمر الصلاة لعظمها وأهميّتها ، واللَّه العالم .
وأمّا ما في « الجواهر » من عدم الدليل على الكراهة مع الاتّحاد في غير الاستقبال ، بل لا بدّ من البينيّة ، ففيه أنّه لا دليل على اعتبار أحدهما ، بل يكفي صدق في القبر الصادق بكونه في الخلف واليمين ، أو في أحد الجانبين مع الخلف ، لا تلزم الظرفية بنحو الإحاطة ، مع استفادته ضمناً ممّا في الموثّق ، لعدم استفادة الارتباط حدوثاً ، ولا رفعاً للكراهة في الجهات الأربعة .
والانصراف من الجماعة المتقدّمة عمّا في الخلف مع الانفراد بشيء يختصّ بالخلف ، لا يسوّغ الانصراف في غيره الموافق لبعض المطلقات ؛ بل يمكن استفادة أنّ الموضوع هو القرب الملغى فيه خصوصية الجهة إلّا الخلف لما مرّ ، وليس ما ذكرنا مبنيّاً على الملازمة في الخلف بين صورة صدق البينيّة بسببه ، وبين عدمها كاتّحاده حتى يجاب بعدم الملازمة .
بل يمكن أن يقال : بكفاية البعد من طرف في الإمام إذا كان القبر في الخلف ، لأنّ الكراهة في الاستقبال المرفوع بالبعد ، ولا كراهة في الخلف ، والبينيّة بسببه كالعدم مع البعد في الإمام ؛ كما أنّه مع القرب يكفي كراهة الاستقبال ، وأمّا في الجانبين فيكفي البعد من أحدهما لرفع حكم البينيّة ، وفي الآخر يراعى رفع القرب بالبعد أو الحائل ؛ فلو
بهجة الفقيه — صفحة 500
مساهمون: الشيخ محمد تقي بهجت
ص٥٠٠