لكن كون الحكم في جميع الصور الأربع مع الاتّخاذ كراهة لا منعاً ، قد عرفت الشواهد عليه ؛ فعليه الاعتبار في ما يجوز فيهما ، كصورة الفصل لو كان بلا اتخاذ ؛ وما لا يجوز فيهما كصورتي الاتّخاذ بلا فصل ، فلا يجوز فيهما كصورة الفصل مع عدم ، فيجوز فيهما وفي محلّ التعارض المتقدم ، لأنّ المنع في مثله ما لا يخفى .
وأمّا احتمال الجمع بحمل النهي على الصلاة إلى القبر ، والتجويز مع الكراهة في غير ذلك من الصور ففيه ذكر ذلك في الموثّق أيضاً على حسب غيره من الصور ، إلّا مع ارتكاب عموم المجاز ؛ وهو ممكن ، لاحتياج خصوص التجوز في مورده إلى القرينة ، لا في الحمل في مورد الوضع على الحقيقة ، إلّا أنّ الاتّخاذ ليس نفس الصلاة إلى القبور المشكل تجنّبها في المقابر ، وكذا الفصل بعشرة في الجوانب يكون الأسهل من ذلك الخروج عن المقابر رأساً ، وإن كان المقصود منع البينيّة حكماً بتحديد الشارع ، وأما عموم الاتّخاذ لصورة الفصل بعشرة فلا ينافي الجمع المذكور ، لأنّه كعموم الفصل بالعشرة لصورة الاتّخاذ ، بل لا بدّ من مرجّح لأحد الإطلاقين ، وكأنّه فهم في محكي « الحدائق » أنّ مفهوم الموثّق التسوية بين الجهات ؛ ومفهوم الصحيح ، امتياز جهة القبلة ، فهو القابل لتخصيص الموثّق .
وقد مرّ أنّ الاتّخاذ هو التقيد والالتزام ، لا مجرد الاستقبال بلا قصد متعلّق به . وأمّا الحمل على جعله كالكعبة ، فساقط رأساً في مطلق القبور ، وبحسب ما هو الأظهر في قبور الأنبياء صلوات اللَّه عليهم بعد ضروريّة الاستقبال ، وأنّه إلى الكعبة خاصة ، فلا محلّ لهذا النهي إلّا لغير أهل النُّهى ؛ مع أنّ المراد مشروح في الرواية المعتبرة بمثل تعبير النبوي في قوله صلى الله عليه وآله وسلم
بين خللها ، ولا تتّخذ شيئاً منها قبلة « 1 »
؛ فالمراد الصلاة إليها في قبال اليمين واليسار ، مع ما مرّ من اعتبار القصد في الاتّخاذ ، ولذا لم يقل عليه السلام : « ولا إليها » ، وقد مرّ أنّ الحكم هو الكراهة ، لما فيه من التشبه بعمل المبدعين سبق ، ولعلّه كان منهم على وجه الكفر الاعتقادي الذي لا يخلو منه أغلب الكتابيّين غير المسلمين
هامش
( 1 ) الوسائل 3 ، أبواب مكان المصلي ، الباب 26 ، ح 5 .