والتحرّي إنّما أمر به من لا يعلم ؛ وإن لم يكن حجّة شرعيّة فهو داخل في الاجتهاد . وإن صدق عليه التقليد لعدم العبرة إلّا بالظنّ الحاصل من قول الغير وممّا حصّله باجتهاده من غير ذلك القول ، فلا بدّ من عمله بالأقوى من الظنّين المتخالفين ، بل في الحقيقة يكون المظنون هو الأقوى ، وغيره يقابل المظنون فيكون مرجوحاً ، وإنّما يكون راجحاً مظنوناً لو خلّي ونفسه ، لا مع المخالف له .
فالمقابلة بين الاجتهاد والتقليد هنا في غير محلّه ، ومقابلتهما في الأحكام الكليّة لا يقاس عليها المقابلة في الموضوعات المعتبر فيها مطلق الظنّ . فليلاحظ ما في كلماتهم هنا من المقابلة مع الصواب .
ثمّ إنّ الظاهر أنّ قبلة بلد الإسلام أعني قبلة مساجد المسلمين القديمة في بلادهم ، كقبورهم في مقابرهم القديمة أمارة على الأمارة الشرعيّة ، لبُعد الاستناد في بنائهم على غير الأمارات الشرعيّة ، مع تكرّر الصلاة من المسلمين في الأعصار كذلك وعدم تغييرهم في الجهة الّتي لا يغتفر الانحراف في حدّها عن القبلة .
فمع ثبوت الأمارة المعتبرة على الأمارة الشرعيّة ، يكون ذلك كاستفادة المصلّي بنفسه تلك الأمارة والاستعلام بسببها ، فلا يسوغ له الاجتهاد في نفس الجهة ؛ بل في الانحراف يميناً وشمالًا على الوجه المغتفر تخلّفه يسوغ الاجتهاد ، وإن كان لا يلزم للأمارة ، وإن كان لو اجتهد فظنّ بالمخالفة كذلك احتمل العمل بالاجتهاد .
ويظهر من إطلاق الأمر بوضع الجدي في القفا « 1 » ويتقيّد ذلك بموضع وضع الجدي على اليمين ، مع وضوح التفاوت في ما بين الحدّين اغتفار التفاوت بين في ما بين الموضعين ممّا يكون الانحراف في ما بين الأمرين ويزداد لو أُريد من قوله عليه السلام
على يمينك « 2 »
، محاذي اليمين ، لا خلف المنكب الأيمن ، كما عبّر به الأصحاب ؛ فإنّه إنّما يكون
هامش
( 1 ) الوسائل 3 ، أبواب القبلة ، الباب 5 ، ح 1 .
( 2 ) الوسائل 3 ، أبواب القبلة ، الباب 5 ، ح 2 .