ولأجل ما ذكرناه : من أن من طبيعتهما التباعد ، رأينا اليهود انحازوا إلى الدنيا وتركوا الدين
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
« 1 » ورأينا المسيحيين - ابتداء - انحازوا إلى الدين وتركوا الدنيا
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
« 2 » ولما عجز الغربيّون عن الدّين المبتدع وحده ، انحازوا إلى الدنيا وحدها ، وصاروا مادّيين .
هذا وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنّه قال : « أنا ذو عينين » أي : عين إلى الدنيا ، وعين إلى الآخرة ، والدين الحقيقي هو هذا ، لأن للإنسان روحا وجسدا ، ولكلّ مقوماته ومتطلّباته ، وملك اللّه سبحانه دنيا وآخرة ، فاللازم أن يهيأ الإنسان نفسه لهما .
وقد أشار إليه القرآن الحكيم ، حيث قال
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ، أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا
« 3 » .
نعم ، ان دين موسى ودين عيسى عليهما السّلام الذي أنزلهما اللّه تعالى عليهما كان في كلّ منهما دنيا وآخرة ، لكن هذا الدين الذي هو بأيديهم اليوم ، فهو مما
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ *
« 4 » .
وفي الآونة الأخيرة انتشر في الغرب التصوّف والهيبيّة وما أشبه ذلك فرارا من الدنيا وحدها ، إلى الدين وحده أيضا - خطاء .
وانما قلنا : ( من طبيعتهما التباعد ) لأن لكل واحد منهما عرض عريض جدّا ، والإنسان عادة لا يقدر على احتواء أحدهما فقط ، فكيف بهما معا ؟ فإذا لم يسلّم الإنسان نفسه لمنهاج صحيح يجمع بينهما لا بدّ وأن ينحرف إلى هذا أو ذاك ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 93 .
( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 27 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 200 - 202 . ش
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 13 .