وقد يكون الكلي موردهما من غير فرق بين هذا الجزئي أو ذلك ، فتنظيم النقل والحركة - مثلا - يقتضي وضع القانون لمرور السيارات اما من جانب اليمين أو جانب اليسار ، حتى لا يلزم الفوضى والضرر والضرار ، فيضع العقلاء القانون على الأول ، أو على الثاني ، مع أنه لا فرق في وضع القانون على أيهما .
ولذا نرى ان البلاد تختلف في مثل هذا القانون ، وكذلك في مثل قانون الوقوف على الإشارة الحمراء أو الخضراء ، إلى غير ذلك من الأمثلة .
ثمّ انا ذكرنا في شرح الرسائل وجه الجمع بين قولهم عليهم السّلام : « ان للّه على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السّلام ، وأما الباطنة فالعقول » « 1 » .
وقولهم عليهم السّلام : « إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » « 2 » .
فإنّ المراد بالأوّل : ما فيه للعقل مجال مثل : جملة من العقائد ، والأخلاق ، والأحكام ، فان العقل يحكم بأن للكون إلها واحدا عدلا حيّا قيّوما قادرا عالما ، وان الصدق والأمانة حسنان ، وان القتل والزنا قبيحان ، ويحكم بان على الإنسان ان يطيع خالقه ، وان يشكر من أنعم عليه .
والمراد بالثاني : ما ليس فيه للعقل مجال مثل : جزئيات الأحكام - في قبال القياس - فان العقل لا مجال له إلى أن يعرف لما ذا جعل الشارع الدية في القتل ألف دينار ، ولما ذا ان صلاة الصبح ركعتان ، وان الصوم في شهر رمضان ، إلى غير ذلك من الأمثلة .
وعلى هذا : فالقانون الطبيعي - غالبا - يأتي بالكليات : كالنظم ، والنظافة ، ونزاهة القاضي والشاهد ، وإرجاع حق كل إنسان إليه ، وعدم أكل أموال الناس
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 137 ، ب 4 ، ح 30 .
( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 262 ، ب 6 ، ح 25 .