لحق جاره ، وداهية نالت صاحباً له . وكيف تقول لهم : كونوا صالحين أتقياء ، مقبلين على معايشكم ، غير خائضين في حديثنا ، ولا سائلين عن أمرنا ، والعرب تقول في كلامها : غلبنا السلطان فلبس فروتنا ، وأكل خضرتنا . وحنق المملوك على المالك معروف ، وإنما يحتمل السيد على ضروب تكاليفه ، ومكاره تصاريفه ، إذا كان العيش في كنفه رافعاً ، والأمل فيه قوياً ، والصدر عليه بارداً ، والقلب معه ساكناً . أتظن أن العمل بالجهل ينفع ، والعذر به يقنع ، لا والله ما الرأي ما رأيت ، وما الصواب ما ذكرت . وجه صاحبك ولتكن ذا خيرة ورفق ، ومعروف وتخبر وصدق ، حتى تعرف حال هذه الطائفة ، وتقف على شأن كل واحد منهم في معاشه ودخلته ، وقدر ما هو متقلب فيه ومنقلب إليه . فمن كان منهم يصلح لعمل فعلقه به ، ومن كان سيئ الحال فصله من بيت المال ، ما يفيق بصرة حاله ، ويفيده طمأنينة باله ، ومن لم يكن من هذا الرهط ، وهو غني مكفى ، إنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو ، فادع به وانصحه ولاطفه ، وقل له : إن نطقك مسموع ، وكلامك مرفوع ، ومتى وقف الأمير على كنه ذلك منك ، لم يجدك إلا في عرصة المقابر ، واستأنف لنفسك سيرة تسلم بها على سلطانك ، وتحمد بها عند إخوانك . فإياك أن تجعل نفسك عرضة للسلطان ! عظ لغيرك بعد ما كان وعظه لك . ولو أن الأخذ بالجريرة الأولى ، مخالف للسيرة المثلى ، لكان هذا الذي تسمعه ما تراه ، وما تراه تود لو أنك سمعته قبل أن تراه ، فإنك يا عبد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ، وملكت طرفي المصلحة ، وقمت على سوء السياسة ، ونجوت من الخوف والمأثم في العاقبة . قال : وفارق الوزير الحاكم ، وعمل ما أمر به على الوجه اللطيف ، فعادت الحال برأيه بالسلامة العامة ، والعافية التامة ، وتقدم إلى الشيخ التبان ، برفع حال من يقعد عنده ، حتى يواسي إن كان محتاجاً ، أو يصرف إن كان متعطلًا ، وينصح إن كان غافلًا « 1 » .
وهذا يدل على أن ما وقع من ظلم هؤلاء الحكام لشعوبهم كان عن علم وعمد ، وإلا فهم كانوا يعرفون بسوء عواقب الفظاظة والغلظة .
هامش
( 1 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : ج 2 ص 292 - 294 .