والآخر : افتراض الاجتهاد - بمعنى : الرأي ، في فرض خلوّ النصّ - بحقّ الصحابة ، في حياته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
ولعلّ عمدة أدلّة القائلين به الوجوه الثلاثة الآتي ذكرها . وأمّا سائر الوجوه التي استدلّوا بها لذلك ، وقد جمعها ابن حزم في كتابه « الإحكام في أصول الأحكام » فهي موهونة جدّا ، ولذلك عقّبها ابن حزم بقوله : « هذا كلّ ما موّهوا به ، ما نعلم لهم شيئا غيره ، وكلّه لا حجّة لهم في شيء منه « 1 » » .
وإليك الوجوه الثلاثة :
1 - جاء في « سنن الدارمي » وغيره ، عن معاذ : « إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا بعثه إلى اليمن قال له : أرأيت إن عرض لك قضاء ، كيف تقضي ؟ قال : أقضي بكتاب اللّه ، قال : فإن لم يكن في كتاب اللّه ، قال : فبسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال : فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال : اجتهد رأيي ، ولا آلو . قال : فضرب صدري ، وقال : الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه « 2 » » .
2 - في « صحيح البخاري » وغيره أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر
هامش
( 1 ) - ابن حزم ، عليّ بن أحمد : الإحكام بأصول الأحكام ، ج 6 : ص 30 .
ومن الغريب جدّا بهذا الصدد ما جاء في « الخطط » للمقريزي : « وكان يفتي في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من الصحابة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وعمّار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وزيد بن ثابت ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى الأشعري ، وسلمان الفارسي - رضي اللّه عنهم ( المقريزي :
الخطط الشام ، ج 3 : ص 258 ، طبع دار التحرير للنشر بمصر ) . فإنّ ظاهر هذا الكلام هو استغناؤهم في الفتيا عنه صلّى اللّه عليه وآله وأنّهم كانوا لا يتتبّعون موارد خلوّ النصّ ، بل كان لهم الاستقلاليّة في ذلك سبحانك اللّهمّ هذا بهتان عظيم .
( 2 ) - الدارمي : السنن ، ج 1 : ص 60 ؛ أحمد بن حنبل : المسند ، ج 5 : صص 230 - 276 .