تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرتقى إلى الفقه الأرقى ( كتاب الزكاة ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
شيء آخر ، وهو : أنّ إذنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صار ساترا لفضيحة نفاقهم ، ولولا ذلك لظهر نفاقهم بأحسن وجه ، لأنّهم - في الحقيقة - لم يكونوا ناوين الخروج معه ، وإلّا لكانوا قد أعدّوا له - من قبل - عدّتهم ، قال تعالى :
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
« 1 » ولولا إذنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لهم بالتخلّف ، كانوا هم من المتخلّفين ، وبذلك كان يبدو للكلّ نفاقهم ، لكنّهم تذرّعوا بذريعة الإذن في تخلّفهم ، فلم يبد لعامّة المسلمين نفاق هؤلاء ، وما كانوا قد أضمروه في طيّات أنفسهم من قبل . ولهذا العتاب - كما في نظائره - محمل صحيح ، بل محامل ، مذكورة في محلّه ، ولكن لا ارتباط له بمسألة الاجتهاد غير الصواب ، كما عرفت . وأجدر بنا أن نختم هذا الفصل بكلام ابن حزم في الموضوع ، فقد قال : « إنّ من ظنّ أنّ الاجتهاد يجوز للأنبياء عليهم السّلام في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها ، فهو كفر عظيم . ويكفي في إبطال ذلك : أمره تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يقول :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ . . . *
« 2 » . هذا ولا يخفى عليك ، أنّ أدلّة القائلين بجواز الاجتهاد بحقّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا تنحصر بما ذكرناه ، بل إنّهم استدلّوا له بأدلّة كثيره ، ولكنّها - وأيم اللّه - واضحة الفساد ، بل أكثرها ممّا يضحك الثكلى . ومن شاء الوقوف عليها فليراجع كتاب : « الإحكام في أصول الأحكام » للآمدي ( الجزء الرابع ) و « الإحكام بأصول الأحكام » ، لابن حزم ، وكتاب « إرشاد الفحول . . . » ، للشوكاني ، وغير ذلك من الكتب الاصوليّة .
هامش
( 1 ) - التوبة ، 9 : 46 . ( 2 ) - الدكتورة نادية العمري : اجتهاد الرسول ، صص 40 - 41 ، طبع مؤسّسة الرسالة ، بيروت ( نقلا عن « تأريخ التشريع الإسلامي » للدكتور عبد الهادي الفضلي ، صص 43 - 44 ) .