الثاني : ما صدر عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الإذن للمتخلّفين في غزوة « تبوك » . قال :
« استأذن بعض المنافقين الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في التخلّف عن غزوة « تبوك » ، متقدّمين بأعذار قبلها الرسول على ضعف فيها ، كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا ، وأذن الرسول في التخلّف عن الذهاب معه في هذه الغزوة للجميع ، لكنّ اللّه ، الذي يعلم ما في الضمائر والنقوس من نيّات ، لم يرض منه هذا الأذن وأفهمه أنّه كان أولى به التريث في الإذن لمن استأذن ، حتّى يعلم المنافقين منهم والصادقين في الاعتذار ، إذ أنّ الأوّلين - أي المنافقين - كانوا سيتخلّفون وإن لم يأذن لهم . وفي ذلك أنزل اللّه قوله تعالى :
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
« 1 » فقول اللّه تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
ينطوي على أنّ الرسول لم يصحبه توفيق اللّه في اجتهاده وإذنه لمن استأذن ، وفيهم المنافق والمؤمن الحقّ ، ولذلك لم يقرّه اللّه على هذا الاجتهاد « 2 » » .
هامش
تجدها في : مسند أحمد بن حنبل ، ج 1 : صص 30 - 31 ، صص 32 - 33 . وأمّا الرواية الأخرى التي أشار إليها في آخر كلامه فلم أجدها في « المسند » . وفي تفسير القرطبي ، في تفسير الآية الكريمة : « في رواية ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب ، ولو نزل عذاب ما أفلت إلّا عمر » ( القرطبي ، محمّد بن أحمد : الجامع لأحكام القرآن ، ج 8 : ص 47 ، افست دار إحياء الكتاب العربي ، بيروت ) . وهي رواية مرسلة غير مسندة إلى أصل حديثي . وبهذا النحو وردت الرواية في غير واحد من تفاسير السنيّين .
( 1 ) - التوبة ، 9 : 42 - 43 .
( 2 ) - محمّد يوسف موسى : المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ، ص 27 ، الطبعة الثانية .