فجميع الحجج ترجع إذَن إلى العقل والإدراك . فإذا لم يكن للإنسان عقل وإدراك فلا يتمكّن من التمييز بين النبيّ الحقيقيّ ومدّعي النبوّة الكاذب ، بين النبيّ والمتنبّئ . فالجميع يدّعي النبوّة وكلّهم يخطبون ويأتون الناس بالكتب ويقيمون الاستدلالات ويتحدّثون بحماسٍ وانفعال ويوردون الخطب ؛ فمن أين يفهم الإنسان أنَّ هذا صحيح وذاك باطل ؟ إنَّما يكون ذلك بواسطة تلك الحجّة الباطنيّة والنظر القلبيّ الذي يتساوى فيها جميع الأفراد ، العالم والجاهل ، العوامّ والعلماء . فجميع الناس متساوون في هذه الجهة ، وقد وهبهم الله تعالى إدراكاً باطنيّاً وتفكيراً عميقاً يستطيعون بواسطته أن يزنوا جميع إدراكاتهم وعلومهم التي تعرض عليهم من الخارج ، ويميّزون بهما بين الحقّ والباطل .
فليس بإمكان جميع العوامّ - الذين جذبهم علماء السوء إليهم - أن يقولوا للّه سبحانه يوم القيامة بأنّهم لم يكونوا يعلمون ، وأنَّ عيونهم لم تكن مفتوحة ، وأنّهم كانوا امّيّين ، وليس بإمكانهم تشخيص الكلام إن كان فارسيّاً أو عربيّاً أو أجنبيّاً ، ولم يكونوا يعرفون أوّل الكتاب من آخره ، وإنَّ هؤلاء قد أمسكوا بزمامهم وساروا بهم حيث يريدون . فعبارة الإمام :
وَاضْطَرُّوا بِمَعَارِفِ قُلُوبِهِمْ إلَى أنَّ مَنْ فَعَلَ مَا يَفْعَلُونَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ .
قد وضعت خاتمة لذلك الغرور والفرح المزيّف .
أي أنَّ الإدراك الباطنيّ والنظر القلبيّ الذي تنطوي عليه صدورهم ليس أمراً اختياريّاً ، بل جبلّة طبعت على الجميع ، كما لو فتح الإنسان عينه فبمجرّد أن يفتحها فسوف يبصر ولا يتمكّن من أن لا يري - وهو في تلك الحال - حتّى وإن طلبت منه أن لا يري . وهذا من لطف ومحبّة وجلالة وعظمة الله تعالى بأن أعطي الإنسان قوّة أعلى من جميع العلوم ومن جميع الإدراكات ، وعجنها في خلقة وجوده ، فهي لا تنفصل عنه حتّى في منامه ،
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام — صفحة 80
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٨٠