أولي يجب أن يكون الشخص الماسك لزمام الولاية والزعامة لجميع الأمور أعلم مَن في الامّة بالأولويّة القطعيّة ، لأنّه المشرف على جميع أمور الناس ، وإدارة شؤون الناس بيده .
وهذه هي دلالة المنطوق لا المفهوم ، كالآية المباركة التي تقول :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
« 1 » . فما نفهمه من قوله لا
تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
: أي لا تَضْرِبْهُما ؛ بطريق أولي . مع أنَّ كلمة لَا تَضْرِبْهُما ليست موجودة في عبارة لا
تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
، لا بالتضمّن ولا بالمطابقة ، لكنَّ العرف يفهم من هذه الجملة : أنَّ الذي لا ينبغي أن يقال له افّ ، فبطريق أولي ينبغي أن لا يُضرَب . وهذا المطلب لا يحتاج إلى بيان آخر ، لما في قوله لا
تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
من إفادة . وهذه الدلالة هي دلالة المنطوق لا المفهوم .
فتستفاد الفحوي إذَن ( يعني ما يفيده المنطوق ) والأولويّة في الطرف الموافق من نفس الكلام ؛ بخلاف مفهوم المخالفة الذي يسمّي بدلالة المفهوم .
والأولويّة القطعيّة - التي نحن الآن بصدد إثباتها في هذه الرواية - ليست من مفهوم الكلام بحسب الأصول ، وإنَّما هي من المنطوق ؛ فلو قلنا مثلًا : إنْ طَلَعَتِ الشَّمسُ فَالنَّهارُ مَوْجود ؛ يستفاد من مفهوم المقارنة أنّه : إنْ لم تَطْلُعِ الشَّمسُ فَالنَّهارُ لَيْسَ بِمَوْجود . أو إذا قلنا : إنْ جاءَ زَيْدٌ فَأكْرِمْهُ ؛ يُستفاد منه : إنْ لَمْ يَجِئْ زَيْدٌ فَلا يَجِبُ عَلَيْكَ إكْرامُه . وهذه الدلالة هي دلالة المفهوم ، حتّى لو كان ذلك المفهوم يُستفاد من حاقّ هذا اللفظ ، إذ لا يقال عرفاً : فُلانٌ نَطَقَ أو يَنْطِقُ بِالكَلام ؛ وإنَّما يقال : يُسْتَفادُ مِنْ كَلامِهِ هَذا .
هامش
( 1 ) - قسم من الآية 23 ، من السورة 17 : الإسراء .