فيها إلى الأعلم حتماً .
فمن يبتلي مثلًا بوجع الرأس أو الزكام الخفيف ، فإنَّه يذهب إلى نفس طبيب المحلّة ويعمل بتوجيهاته ، ويحلّ المشكلة بهذه الطريقة ، دون مراجعة الطبيب الأعلم ، لأنَّ المسألة ليست بتلك الدرجة من الأهمّيّة . وفي الحقيقة فإنَّ هذا الطبيب متساوٍ مع ذلك الطبيب الأعلم في تشخيص الزكام الخفيف ، ولو رجع إليه الإنسان أيضاً فسوف يكون في تشخيصه للمرض والدواء الذي يعطيه والحمية عن الأطعمة التي يطلبها على حدٍّ واحد مع غيره . ولذا لا يري الإنسان ضرورة في الرجوع إلى الطبيب الأعلم .
الرجوع إلى العالم دون الأعلم في الأمور الخطيرة خلاف السيرة
وأمّا إذا كانت المسألة مهمّة وخطيرة ، وكان المريض مبتلي بمرض قد اختلف الأطبّاء في تشخيصه وفي كيفيّة العلاج ، وكان في هذه الحالة ثمّة احتمال للهلاك ، إذ قد شخّص أحد الأطبّاء مثلًا أنَّ المرض هو الزائدة الدوديّة ، بينما قال الطبيب الآخر هو الصفراء ، وهذان المرضان مختلفان ، ومن الممكن أن يتلف المريض بسبب إجراء عمليّة جراحيّة ويموت ؛ فهل يتركون الرجوع إلى الأعلم في هذه الحال ؟ والجواب طبعاً بالنفي .
لأنَّ الملاحظ هو : رجوع الجميع في مثل هذه الحالة إلى الأعلم ، بل إنَّهم يتحمّلون أحياناً مشقّات كثيرة ومجهدة لكي يتوصّلوا إليه ، ولا يرجعون إلى الأعلم في مدينتهم فحسب ، بل إلى الأعلم في سائر المدن والبلاد والقارّات ، لأجل الحصول على الطبيب الأفضل والأخصّائيّ الأمهر لعلاج المرض .
وعلي هذا ، فليس هناك سيرة عقلائيّة قائمة على الاكتفاء بالرجوع في جميع الحالات إلى العالم فقط ، وإنَّما المسائل والدواعي تختلف من حيث الأهمّيّة وعدم الأهمّيّة ، وفي الحالات التي تكون المسائل فيها ذات أهمّيّة ، فالسيرة العقلائيّة على الرجوع إلى الأعلم .