الأعلم ، ولا يمكنه الرجوع إلى العالم ؟ !
وبالإضافة إلى ذلك ، فسيرة العقلاء أيضاً على هذا النحو ، إذ هم لا يرجعون إلى الأعلم . فالسيرة في المستشفيات مثلًا بهذا النحو على الرغم من وجود مختلف الأطبّاء ، حيث إنَّ المرضي يراجعونهم جميعاً ، ولا تنحصر مراجعتهم بالطبيب الأعلم الذي يمتلك تخصّصاً أكثر في الفنون الطبيّة والجراحيّة وسائر الشؤون المختلفة ؛ وكذلك في سائر الصفات والحرف . فمن يريد بناء بيت مثلًا لا يرجع إلى البنّاء الأعلم ، ومن يريد خياطة ثوب فلا ينحصر رجوعه إلى أمهر الموجودين في هذه الحرفة . كلّ ذلك بحسب السيرة العقلائيّة المتمثّلة برجوع الجاهل إلى العالم ، على الرغم من البون الشاسع فيما بين أصحاب هذه الحرف من حيث المهارة .
ولو تجاوزنا هذا كلّه ، فالموجود في الآية الشريفة هو الفرق بين العالم والجاهل .
إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
، أي أنا عالم وأنت جاهل ؛ فليس الآية في معرض بيان الفرق فيما بين الأعلميّة والعالميّة ، أو الأعلميّة والجاهليّة . وعليه ، فلا يستفاد من الآية الشريفة : وجوب الرجوع إلى الأعلم فقط وترك سائر العلماء الآخرين . وكان هذا هو محصّل إشكاله .
الرجوع إلى الأعلم في المسائل الخطيرة والأمور المهمّة سيرة عقلائيّة
وأمّا ما أفاده من أنَّ السيرة العقلائيّة قائمة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم ، وأنَّ الرجوع إلى الأعلم غير ثابت ، فيجب أن نري هل الأمر كذلك حقيقة ؟ وهل هذه السيرة ثابتة ومطّردة ومسلّمة ، بحيث لا يرجع عقلاء العالم إلى الأعلم ويرجعون إلى العالم ؟ والجواب هو النفي ؛ وللأسباب التاليّة :
أوّلًا : لأنّنا نري أنَّ أنظار العقلاء تختلف في المسائل التي يجب الرجوع فيها إلى العالم من حيث الأهمّيّة وعدمها . وذلك أنَّ بعض المسائل لا تمتلك أهمّيّة كبري ، ولذا لا يدقّقون فيها كثيراً بنحو يلتزمون بالرجوع