كلّ من كان يطهّر نفسه بحسب الظاهر ويمتلك التقوي أيضاً ويجتنب الذنوب فبإمكانه أن يكون مفتياً ، وإن كان يميل باطنيّاً إلى الرئاسة . فآفة الميل إلى الرئاسة أكبر من آفة الميل إلى الشهوة ، ومن الميل إلى المال ، ومن جميع ذلك . ولذا يقول الإمام عليه السلام هنا : عليكم بتقليد من لم يكن مقبلًا على الدنيا ، وكان :
صَائِناً لِنَفْسِهِ ، حَافِظاً لِدِينِهِ ، مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ ، مُطِيعاً لأمْرِ مَوْلَاهُ .
وهذا كلّه إشارة إلى ذلك المقام . فالمفتي يجب أن يكون واجداً لذلك المعني .
المراد من الملكة القدسيّة في عبارة « منية المريد »
هذا هو رأي المرحوم السيّد محمّد كاظم الذي اعترض عليه المرحوم السيّد أبو الحسن . ويجب أن يكون للفقيه هذه الدرجة ، وربّما كان ما ذكره الشهيد الثاني في « منيّة المريد » إشارة إلى هذه الدرجة من النور الإلهيّ حيث إنَّه بعد أن يعدّ عدداً من الشرائط اللازمة للاجتهاد ويبيّن العلوم التي على الإنسان أن يحصّلها كمقدّمة لذلك ، وما على الذين يرومون التفقّه في الدين من الحصول على هذه العلوم ، يصل إلى حيث يقول :
وَلا يَكونُ ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا بِهِبَةٍ مِنَ اللهِ تَعالَى إلَهيَّةٍ ، وَقُوَّةٍ مِنْهُ قُدْسيَّةٍ ، توصِلُهُ إلَى هَذِهِ البُغْيَةِ ، وَتُبَلِّغُهُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ . وَهِيَ العُمْدَةُ في فِقْهِ دينِ اللهِ تَعالَى ؛ وَلَا حيلَةَ لِلعَبْدِ فيها ؛ بَلْ هِيَ مِنْحَةٌ إلَهيَّةٌ ، وَنَفْحَةٌ رَبَّانيَّةٌ يَخُصُّ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ؛ إلّا أنَّ لِلْجِدِّ وَالمُجاهَدَةِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى اللهِ تَعالَى وَالانْقِطاعِ إلَيْهِ أثَراً بَيِّناً في إفاضَتِها مِنَ الجَنابِ القُدْسيِّ .
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
. « 1 » و « 2 »
هامش
( 1 ) - الآية 69 ، من السورة 29 : العنكبوت .
( 2 ) - « مُنيةُ المُريد » ص 80 ، الطبعة الحجريّة .