وثانياً : إنّ ترك زرارة إنّما كان لمكان التقيّة لعدم قدرته على الإتيان بها حتّى مع نفر يسير من أصحابه سرّاً ، لأنّ الزّمان زمان التقيّة وزرارة وأضرابه من الأصحاب ممّن كانوا معروفين مشهورين فيحضرون جماعة المخالفين ، وإلّا فبمجرّد عدم حضورهم كانوا يتّهمون بالمخالفة فيُآخذون فيعرفون بالخلاف . وإن شئت فقس هذا النحو من التقيّة بالتقيّة الحاصلة في زمان الفهلوي لعنه اللَّه تعالى حيث رأينا بأعيننا أنّ الناس ما كانوا متمكّنين من إقامة العزاء في الخلوات ولا من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى مع عيالاتهم وأولادهم سرّاً فضلًا مع أصحابهم وأصدقائهم . مع أنّ زُرارة وعبد الملك كانا ساكنَين بالكوفة وهي من أعظم مدن الإسلام في ذلك الزّمان لأنّها محلّ الخليفة وعاصمة البلاد ، لكن لمّا ضعفت التقيّة حين النزاع بين بني اميّة وبني العبّاس ففي زمان الفرجة كانت الأصحاب متمكّنين من إقامة الجمعة ، فلذا حثّهم الإمام على الإتيان بها بأنفسهم ، ولمّا كان الجمعة مع حضور الإمام لا تنعقد إلّا به لمكان أولويّته ، فلذا سأل زرارة عن الغدوّ عليه ، ومعلوم أنّه مع إرادة إقامة الإمام لا يجوز لأحدٍ أن يتقدّم عليه ولا أن يعقد جمعة بدونه مع لزوم وحدة الجمعة في المدينة ، فلمّا أخبر الإمام بعدم إقامتها بنفسه لمكان بقاء التقيّة بالإضافة إليه دون زُرارة فقد وجب على زرارة الإتيان بها . « 1 »
لا يقال : كيف تكون التقيّة في زمن الصادقَين عليهما السّلام والحال أنّ الحسن البصري والأوزاعي وأحمد بن حَنبل في إحدى الرّوايَتين عنه ذهبوا إلى
هامش
( 1 ) - وهذا أوّل دليل على أنّه لا يشترط حضور الإمام أو نائبه أو الحاكم المبسوط في وجوب الصلاة ولا في صحّتها ، فتنبّه . ( منه عُفي عن جرائمه )