المقام الثاني : في دلالة الحديث
وأمّا المقام الثاني ففي فقه الحديث ، ولا يخفى أنّ كلمات الحديث كلّها قابلة للبحث والنظر ، ولكنّ المناسب للمقام - تبعاً للشيخ رحمه الله - هو مدلوله من حيث الوضع والتكليف ، ويأتي في طيّ المباحث الآتية سائر الجهات :
قال الشيخ رحمه الله : « قد يخدش في دلالة الحديث على الحكم الوضعي ؛ من جهة ظهور كلمة « على » في التكليف . ولكنّ ظهوره فيه فيما كان المسند إليه فعلًا من الأفعال ، لا مالًا من الأموال ، وهنا ليس فعلًا ؛ فإنّ المراد المال المأخوذ » « 1 » .
أقول : التحقيق أنّ لفظ « على » مطلقاً ، ظاهر في الوضع ؛ سواء كان متعلّقاً بفعل ، أو شيء ما ؛ فإنّ الظاهر من قولنا : « عليّ » أو « عليه » أو « عليك » هو الذمّة والعهدة ، نظير الكون على السطح ، فكأنّه جعل العهدة والذمّة شيئاً خارجياً ؛ وادعى أنّ المال عليه .
فقوله تعالى :
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . .
« 2 » ليس معناه أنّه يجب على الناس وجوباً تكليفياً محضاً ، بل معناه أنّه على عهدة الناس وذمّتهم للَّه تعالى حجّ البيت ، فكأنّ الحجّ كان على عهدتهم وذمّتهم ، نظير الدين ، كما يقال : « عليّ دين » أو « عليه دين » كذا يقال : « عليّ صلاة » أو « حجّ » .
ولذا قال في قضية الخثعمية : « دين اللَّه أحقّ » « 3 » يعني أنّ الحجّ دين اللَّه على ذمّة الإنسان ، فهو أحقّ بالقضاء ، ومن هذه الجهة يكون باقياً عليه بعد الموت ؛ إذ
هامش
( 1 ) - المكاسب ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 16 : 181 .
( 2 ) - آل عمران ( 3 ) : 97 .
( 3 ) - مستدرك الوسائل 8 : 26 ، كتاب الحجّ ، أبواب وجوب الحجّ ، الباب 18 ، الحديث 3 .