كون المستند لخيار الغبن هو « لا ضرر » . من هنا لا بد أن يكون فتواهم بذلك مستنداً إلى دليل آخر غير هذه القاعدة .
والجواب عن القسم الأول من كلامه ( قدّس سرّه ) : أننا يمكن أن نذكر تقريباً آخر يصحّح جريان القاعدة في موارد خيار الغبن والعيب وتبعّض الصفقة ونحوها من دون حاجة إلى افتراض ضرر مالي ، لئلا يقال : إن تبعض الصفقة لا يوجد فيه ضرر مالي ، وتخلّف الغرض والداعي ليس بضرر ، وحاصله : أن الضرر كما تقدّم على قسمين : تارة يكون نقصاً تكوينياً بلا حاجة إلى فرض عناية عقلائية ، وأخرى يكون نقصاً في طول عناية عقلائية في الرتبة السابقة .
وقد بيّنا أن القاعدة تشمل كلا هذين النوعين من الضرر . وعلى هذا الأساس نقول : إن خيار الغبن وتبعّض الصفقة وما يشابهما ، ليست خيارات شرعية مجعولة من قبل الشارع تعبداً كخيار المجلس مثلًا ، وإنما هي نحو حقوق كانت تعيشها المجتمعات العقلائية ولا زالت إلى يومنا هذا ، وهي ناشئة من ارتكازات عقلائية بقطع النظر عن الشريعة ؛ من هنا لو لم يعترف الشارع بمثل هذه الحقوق لكان ذلك ضرراً بلحاظ النظر العقلائي . وبهذا يتحقّق مصداق حقيقي آخر للضرر ، فتشمله القاعدة كما أوضحناه فيما سبق .
لا يقال : إن الاستدلال ب « لا ضرر » حينئذ يكون لغواً ، لأن المفروض أن خيار الغبن مثلًا قائم على أساس ارتكاز عقلائي ، فيثبت بالسيرة العقلائية من دون حاجة إلى دليل آخر .
لأنه يقال : إن الاستدلال بالسيرة إنّما يتمّ إذا كانت ممضاة من قبل الشارع . وقاعدة « لا ضرر » تثبت الإمضاء .
إذن فهذا التقريب تامّ في نفسه ، وينسجم مع الأصول التي نقّحناها في تفسير القاعدة .
لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 244
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٤