إن كان الحكم مختصا بالعالمين بالأحكام ، فالبعث على الشيء لا بد وأن يكون بعد علم المبعوث إليه بالبعث ، وهذا محال لأنّه كيف يعقل بعث المولى بعد علم العبد بالبعث ، فنفس البعث محال عليه في ظرف علم العبد بالبعث .
وأمّا ما يقال : بأنّه لا يعقل وجود العلم مع عدم وجود المعلوم ، ولهذا لا يمكن العلم بالحكم مع عدم وجود حكم ، فلا يمكن اختصاص الحكم بخصوص العالمين بالأحكام .
ففيه أنّ وجود العلم معقول مع عدم وجود المعلوم ، وما لا يمكن هو وجود الجزم مع عدم وجود ما يجزم به . « 1 »
إذا عرفت عدم معقولية كون الحكم مختصا بالعالم به ، ولهذا قالوا بأنّ له تعالى في كل واقعة حكما واحدا يشترك فيه العالم والجاهل ، فلا وجه هنا لدعوى عدم إطلاق الأمر بالجهر والاخفات واختصاصه بخصوص العالمين .
فنقول : بأنّ ظاهر كلام الشّيخ رحمه اللّه هو كون الاشكال في المسألة مختصا بخصوص صورة الالتزام باستحقاق العقاب ، لأنّه على هذا يرد الاشكال حيث لا يجامع الحكم بالصحة مع استحقاق العقوبة ، وأمّا مع عدم استحقاق العقوبة فلا يرد الاشكال ففيه انّه كما قلنا في بيان الاشكال ليس هو منحصرا بهذه الصورة ، بل إن قلنا بعدم استحقاق العقاب يكون الاشكال أيضا وهو أنّ عدم العقوبة كاشف عن عدم التكليف على الجاهل ، ولازم ذلك كون الحكم مختصا بالعالم ، وهو مستلزم
هامش
( 1 ) - أقول : ووجود العلم بدون وجود المعلوم ظاهرا غير معقول ، لأنّ النسبة بين العلم والمعلوم التضايف ، فلا يمكن العلم بدون المعلوم ، نعم يمكن حصول القطع مع عدم وجود المقطوع به ، لأنّ الفرق بين العلم والقطع هو أنّ العلم اعتقاد جازم موافق مع الواقع ، والقطع اعتقاد جازم يمكن كونه موافقا للواقع ، ويمكن عدم مطابقة مع الواقع . ( المقرّر )