فالصحيح إذن هو ضمان المنافع مطلقا ، كما هو المشهور ، وصريح الشافعي في كتاب مختلف الحديث في النماء والمنافع المستوفاة وفي الفائتة ، أيضا في الغصب في مختصر المزني ، كما هو المحكيّ عن أحمد « 1 » .
ثمّ لا يخفى أنّه ليس في الحديث من قبل الشارع إلّا أن جعل على الآخذ عهدة العين المأخوذة المكنّى بها عن جعل آثارها من الأحكام ، وأمّا بيان ما تقتضيه العهدة من الآثار والأحكام وكيفيّة الفراغ منها وكيفيّة الأداء ، فهو ما موكول إلى حكم العرف والعقلاء بحسب ما يرونه بينهم أثرا لعهدة العين في ضماناتهم وغراماتهم ورغباتهم في الأموال ، فهو المعيار في الحكم بالغرامة وتعيينها ، وكونها بالمثل أو القيمة ، وكونها قيمة يوم حدوث العهدة أو التلف أو الردّ أو أعلى القيم ، وكون الغرامة مفرّغة عن العهدة دائما أو في حال دون حال ، ولحاظها تارة من حيث المالك وأخرى من حيث الغارم .
وحيث يشكّ في حكم العرف والعقلاء ، بحيث يستتبع ذلك الشكّ في الحكم الشرعي ، فالمرجع في الحكم الشرعي ما تقتضيه القواعد الشرعيّة والأصول العمليّة .
وبمقتضى عهدة الحديث يجب ردّ المأخوذ على مالكه إرفاقا به عند طلبه ، أو عدم العلم بالإذن ببقائه وجوبا مطلقا في كلّ زمان فورا ففورا مهما أمكن ، وتجب مقدّماته حتّى مع الشكّ في القدرة عليه إلّا مع اليأس منه ، أو لا يسقط الوجوب رأسا إلّا مع سقوط القدرة رأسا .
وأمّا وجوب دفع الغرامة ، فمحلّه حيث يحكم العرف بلزوم تدارك العين وتلافي ما يفوت من سلطنة المالك عليها ، حيث لا يتيسّر في الجملة للآخذ ردّ العين وهو - مع العلم بعدم تمكّنه من ردّها أو عدم رجائه - ظاهر ، وأمّا مع رجائه بعد مدّة طويلة يتضرّر المالك بانتظارها ، أو قصيرة كذلك ، أو طويلة لا يتضرّر بانتظارها ، أو قصيرة كذلك ، فلا يبعد حكم العرف في عاداتهم في بعضها بلزوم أداء الغرامة وتوقّفه في بعضها ، وعند التوقّف فالمرجع البراءة .
هامش
( 1 ) . مختصر المزني : 117 - 118 ؛ المغني لابن قدامة 5 : 390 - 391 ، المسألة 3948 .