لم يعهد ذلك في الشرع ؛ لأنّ الصحّة حكم لاحق للعقد بما هو عقد بنحو البساطة ، وكذا الأمر بالوفاء بالعقد ؟
أو يقال : إنّ الإلزام لا تعلّق له بعبادة المتديّن ، ولا يجعله مسلوب العبادة ، فالعقد في نفسه ومن حيث العقديّة تامّ الأركان صحيحها .
وحينئذ إن قلنا : إنّ الأحكام الوضعيّة غير مجعولة من الشارع في الدين ، بل هي عناوين منتزعة من الأحكام التكليفيّة ، فحينئذ لا يكون الإلزام إلّا بسلب ما هو له وعائد إلى نفعه من أحكام ذلك العقد وحقوقه ما دام متديّنا بفساده ، وليس في ذلك معارضة لسائر الأحكام المترتّبة على العقد ، ولا للأمر بالوفاء به . وكذا إذا قلنا : إنّ المجعول هو حكم الصحّة .
وأمّا الفساد فليس حكما شرعيا مجعولا ، بل هو عبارة عن عدم الصحّة وعدم أحكامها ، فلا يكون الإلزام - أيضا - إلّا بسلب ما يترتّب على الصحّة ممّا هو له وعائد إلى نفعه من أحكام ذلك العقد وحقوقه ، وليس له نظر إلى الصحّة ولا إلى سائر أحكامها ، ولعلّ هذا هو الأقوى والمعتمد .
هذا ، ولو قلنا بأنّ الفساد حكم شرعيّ يتديّن به ، لكانت جهة إلزامه وحيثيّتها المعروفة لا تزاحم جهة إلزامه بعقده ووجوب الوفاء به ، ولا تبطل حقّ الطرف الآخر في العقد ، ولا الأحكام الواقعية الثابتة للعقد ، من نحو المصاهرة ، وحرمة الجمع ، وما للملزم عندما يعدل عن ذلك التديّن ويدين بمقتضى الواقع ، بل يتأدّى الإلزام بإلزامه بما يكون عليه من أحكام الفساد .
وربما يشهد لذلك ، أو يؤيّده قولهم عليهم السّلام في الحديث الثاني والثالث والخامس والسادس والسابع : « فإنّه عنى الفراق » ، « وهم يوجبونها » ، « لأنّه [ قد ] طلّقها » ، « فإنّه نوى الطلاق بعينه » .
فإنّه إذا كان قصده في إيقاعه المخالف للشريعة يلزم به لمصلحة ما ، فقصده في عقده الموافق للشريعة والمصلحة العامّة أولى بالإلزام .
الرسائل الفقهية — صفحة 272
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص٢٧٢