فإذا رفع حقّه أو منع ، ومنه يكون التسويغ أو الاستحقاق لغيره في متعلّق الحقّ المرفوع أو الممنوع جاريا على مقتضى المسوّغات والأسباب المعهودة في الشريعة العامّة والأحكام الأوّليّة ، من دون أن يحدث تسويغ أو إباحة أو استحقاق بسبب غيرها وعلى خلافها .
ثانيها : هل يكون هذا التسويغ والإباحة أو الاستحقاق جاريا على تديّن المتديّن الملزم لا على مقتضى الحكم العامّ الأوّلي ؟
فيمنع عمّن يستحقّه بحسب الحكم العامّ الأوّلي والمصلحة العامّة ، كما فيما لو كان المتديّن المذكور محجوبا بالقتل ، ويثبت استحقاقه أو تسويغه لغيره بحسب تديّن ذلك المتديّن . أوليس كذلك ، بل يجري على مقتضى الحكم الأوّلي والمصلحة العامة ، وهو الصحيح ؛ فإنّ أحاديث الإلزام واللزوم مهما كانت - إنّما تثبت إلزام المتديّن فيما هو عليه ، وهو سلب حقّه أو ملكه أو سلب التسويغ والجواز له . وأمّا ثبوت الحقّ أو الملك لغيره والتسويغ لذلك الغير ، فليس ممّا هو على المتديّن ، وإنّما هو شيء للغير بحسب الشريعة ، في ذلك ، وليس في أحاديث اللزوم والإلزام جهة تشرّع للغير أسبابا للاستحقاق والتملّك والتسويغ على غير القواعد العامّة المشروعة .
وممّا يؤيّد ذلك ويشهد له ما تقدّم في موثّقتي أبي بصير وفضيل ، اللتين لا مناص عن تنزيلهما على مسألة الإلزام ، فإنّ ما ذكر من ميراث الأختين والجدّ في الأولى ، وميراث الجدّ والأخت في الثانية ، لا ينطبق إلّا على ما ذكرناه دون غيره كما مرّ مشروحا .
فإن قلت : إنّ الحديث الأوّل يدلّ على أنّ ما يستحلّون - كالمأخوذ بالتعصيب مثلا - حلال للغير أو أنّ الوجه الذي يستحلّون به - كالتعصيب مثلا - محلّل للغير ، فلا حاجة بعد ذلك إلى الانطباق على الأسباب والمسوّغات الأوّلية !
قلت : لم يكن الحديث أنّ ما يستحلّونه يحلّ لغيرهم ، أو أنّ ما يكون عندهم سببا للحلّ يكون سببا لغيرهم ، بل إنّ عبارة الحديث : « يجوز على أهل كلّ ذي دين » بمعنى :
يمضى عليهم ، ويلزمون به ، كما في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز » .