وأمّا رواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق فيها لحم ، فأباح أكله ، فقيل له : لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي ؟ فقال عليه السّلام لهم : « هم في سعة حتّى يعلموا » « 1 » ، فلا دلالة فيها على أنّ السعة من حيث أصالة الإباحة ، بل لعلّ الظاهر - كما يعرف من غير واحد من الأخبار - أنّ السعة من حيث بلاد المسلمين وأنّها كسوقهم في كون الاستعمال وطبخ اللحم أمارة على التذكية ، ولا أقلّ من إجمال وجه السعة .
ولا ينبغي أن يتوهّم انحصار دلالة الصحيحة على سقوط الأصل في خصوص اشتباه لحم الأنعام بين المذكّى وغيره دون ما كان الشكّ بين لحم الأنعام وغيرها من المحرّمات ؛ وذلك لأنّ الذهن لا يكاد يجد مجالا لتوهّم الرخصة في مورد الاشتباه بالخبيث الذي لا يطيب ، بل يجتمع فيه خبثه الذاتي وخبثه بالموت مع عدم الرخصة في مورد اشتباه ما يصلح لأن يطيب ويذكّى وليس فيه إلّا الخبث الناشئ من الموت .
هذا ، مع أنّ أصالة عدم التذكية حاكمة على أصالة الإباحة ، فإنّها تقرّر بنحو يرجع إلى استصحاب عدم الذكاة وعدم التذكية بما هو صفة سابقة ، لا بما هو عدم من حيث السالبة بانتفاء الموضوع ؛ وذلك بأن يقال : إنّ كلّ جزء وقطعة ممّا تحلّه الحياة من الحيوان قد كانت في حياته لا يجوز أكلها لأنّها غير ذكيّة ولا طيّبة ، إمّا لأنّ حيوانها لا يقبل التذكية ، وإمّا لأنّ التذكية لم تحصل بعد ، فكلّ ما شككنا بعد حياته في حصول التذكية له - إمّا من حيث الشكّ في قبولها وإمّا من حيث الشكّ في وقوعها مع عدم الأمارة الشرعيّة على الوقوع - فالحكم هو إبقاء تلك الصفة الموجودة حال الحياة .
هذا كلّه ، مع أنّ أصل الإباحة لو جرى لم يفد إلّا إباحة عذر ورخصة في اللحم ، ورفع لفعليّة التحريم الواقعي فيه . وجواز الصلاة بحسب الظاهر من أخبار المسألة كما قدّمنا - ليس من آثار الحلّ الواقعي ، فضلا عن الحلّ بمعنى الرخصة في مقام
هامش
( 1 ) . الكافي 6 : 297 ، باب النوادر من كتاب الأطعمة ، ح 2 ؛ تهذيب الأحكام 9 : 99 - 100 ، ح 432 .