نعم ، لا يبعد دعوى ذلك في قبال صاحب المفاتيح القائل بعدم تنجيس المتنجّس مطلقا ، حيث إنّ القول بذلك مخالف للإجماع - بل الضرورة - جزما ، ومناف لصريح جملة من الأخبار التي مرّ عليك بعض منها . وأين ذلك من الالتزام بعدم التنجيس بمورد خاصّ ، وهو صورة جفاف المتنجّس إذا لاقاه جسم طاهر برطوبة طاهرة ، التي مبنى عمل الناس على عدم التحاشي في أمثالها ، وإن ارتكز في أذهانهم خلافها ، كما عرفت . ويرشد إلى ذلك عدم الاهتمام في الأخبار لبيان حكم المتنجّس مع عموم الابتلاء بذلك ، فلو كان المتنجّس موجبا للتنجيس مطلقا للزم الاهتمام ببيانه وكثرة السؤال عنه وعدم إهماله ، فتأمّل .
وممّا يستأنس به لما ذكرناه من عدم التنجيس في هذه الصورة من حيث حصول الحرج بالتنجيس بها ، وأنّ مبنى الشريعة على عدم الجعل في مثل هذه الأحكام الحرجيّة ، هو ملاحظة سيرة الشارع في باب التنجيس والنجاسات والتطهير والمطهّرات ، فضلا عن سائر أبواب الفقه المبنيّة أحكامها على التسهيل والتيسير وإرادة اليسر وعدم العسر ؛ فإنّك إن لاحظت ذلك ونظرت إليه بعين البصيرة تراه :
تارة يكتفى بالتطهير بمجرّد زوال العين وإن بقي الأثر ، ولم يخصّ التطهير بالماء فيه بل اكتفى بالأحجار والأرض والشمس ، وذلك كما في الاستنجاء والخفّ وباطن القدم والأرض ، بل كلّ ما لا ينقل ، بل حتّى المنقول منه الذي يشقّ تطهيره بخصوص الماء كالبواري مثلا . كلّ ذلك لعموم البلوى في مثل هذه الأشياء ، وحصول شيء من الضيق على المكلّف لو قصر الحكم في تطهيرها على الماء ، بل اكتفي فيها بجعل الغسلة المزيلة للعين هي المطهّرة مع أنّها لا تعدّ في غير الاستنجاء من الغسلات فضلا عن كونها من المطهّرات ، كما هو مذهب جماعة منهم ، ويأتي الكلام عليه في الغسالة .
وأخرى يحكم بالطهارة بمحض التبعيّة مع عدم مباشرة مطهّر للمتنجّس أصلا ، وذلك كما في آلات نزح البئر وجدرانها المتنجّسة بمائها المتغيّر بالنجاسة ، وآلات العصر ، وآنية الخمر بعد انقلابه خلّا ، وثياب الكافر بعد إسلامه ، إلى غير ذلك .
الرسائل الفقهية — صفحة 159
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١٥٩