قلت : أمّا الإجماع فغايته المنقول ، وهو في قبال صاحب المفاتيح كما هو المختار متّجه : أمّا في قبال ما اخترناه من استثناء صورة من مسألة تنجيس المتنجّس ، فموقوف على ثبوت الإطلاق فيه ، وهو ممنوع سيّما بعد أن جعل مورده ومورد الضرورة واحدا . ولا شكّ أنّ دعوى الضرورة إن تمّت ففي الجملة ، ولا تعمّ جميع الموارد ، وإلّا لشملت المتنجّس بالنسبة إلى البئر التي قد ادّعي الاتّفاق على عدم تأثيره بها ، وانحصار خلافهم بعين النجاسة هنا ؛ على أنّ دعوى الإجماع في المقام لو سلّمنا الإطلاق فيها فإنّما هي على معنى عبّر عنه المجمعون بلفظ مطلق ، وذلك لا يؤخذ بإطلاقه في المحصّل منه فضلا عن المنقول ؛ لأنّ الإجماع دليل قطعي فلا يثبت بالظهور اللفظي .
نعم ، لو كان المحصّل منه قائما على معنى عبّر عنه الناقل بلفظ مطلق أو عامّ ، فاللازم الأخذ بعمومه ؛ لأنّ ظاهر لفظه حجّة في مقام الكشف عن مراده ، وإلّا لأشكل الأخذ بالمعنى الحقيقي مع احتمال تجوّز الناقل ، وهو كما ترى . لكنّ المقام ليس من هذا القبيل لو سلّمنا الإطلاق في كلام الناقل ؛ لأنّ غاية ما يحكيه الناقل عن المجمعين هو إطلاق كلامهم في ذلك لا أنّه حصل منهم معنى عامّا كشف عن عموماته بإطلاق كلامه . ويشهد لما ذكرنا من عدم كون الإجماع على تنجيس المتنجّس على جهة العموم ، أنّ حكم بعضهم بالعفو عن ماء الاستنجاء ليس منافيا للحكم بتنجيس المتنجّس ، وكذا حكم البعض بنجاسة الغسالة وعدم تنجيسها المحلّ .
وبالجملة ، فحديث الإجماع على تنجيس المتنجّس إنّما هو حديث إجمالي من باب الموجبة الجزئيّة في مقابل السلب الكلّي ، فلا إجماع على أنّ المتنجّس ينجّس على العموم كما لا يخفى . وقد صرّح بعضهم بأنّ قاعدة تنجيس المتنجّس استنباطيّة ، ولم يعلم شمولها لبعض المقامات .
وأمّا الضرورة فغاية ما فيها هو الأمر المرتكز في الأذهان ، الذي قد استقرّ عملهم على خلافه ، واستمرّت سيرتهم القطعيّة على عدم الالتزام به .
الرسائل الفقهية — صفحة 158
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١٥٨