فإن قيل : إنّ وجدان عدم الحرج لأنّ عمل الناس لا يوافق بما يعلمون ، وإلّا فلو التزموا جميعا بما يعلمون لشاهدت من الهرج والمرج واختلال النظام وتعطيل الأسواق والامتناع عن الطعام والشراب ما يوجب بعضه لك الإذعان بما ادّعيناه .
قلت : لم أحصّل تمام المقصود من هذا الكلام ، فإنّه لا ينبغي أن أحمله على ظاهره الذي يستلزم أنّ سكّان البلاد المتشرّعة الذين فيهم العلماء وأهل الدين والأبرار ، ويكثر ابتلاؤهم باجتماع الأعراب ونحوهم في أيّام الزيارات كأهل النجف وكربلاء والكاظمين ، هؤلاء كلّهم يعلمون بالنجاسة تفصيلا أو إجمالا يتنجّز معه التكليف ، ولا يجتنبون عنها مع إذعانهم بوجوب الاجتناب للعلم التفصيلي بالنجاسة أو الإجمالي المنجّز ، وما أحسن قول القائل : « ولو شاء قلّلا ! » .
فإن قيل : أيّ ثمرة في ثبوت النجاسات في الواقع مع عدم فعليّة التكاليف الناشئة عنها ؟
قلنا أوّلا : هي الثمرة في ثبوت نجاسة نجس العين وملاقيه برطوبة وملاقي ملاقيه الرطب حينما يشكّ فيها أو تجهل ، فيجري استصحاب الطهارة وقاعدتها وقاعدة الحلّ في الشبهة الموضوعيّة وقاعدة الغيبة ، أو تقوم البيّنة على الطهارة والأمارة حيث ترتفع فعليّة أحكامها في هذه الموارد ، وهي الثمرة في ثبوت الأحكام الواقعيّة عند ارتفاع فعليّتها .
وثانيا : إنّ النجاسات في المتنجّسات من الأمور الواقعيّة التكوينيّة التي قدّر اللّه وجودها بأسبابها بالنحو الذي أبقى به نظام العالم ، فلا يسأل عن ثمرة كون الكائن ، أو ينفي كونه بعدم الوصول إلى ثمرته .
بل لو قيل : إنّ النجاسات محض أحكام .
لقلنا : إنّ جريان الأمارات والأصول الرافع لفعليّتها لا ينافي ولا يمسّ ثبوتها في نفس الأمر والواقع ، إذا كان منشؤها اقتضاء المصالح التي ترجع بها الأحكام إلى كونها لطفا بالعباد وسببا لتكميلهم وقدسهم ومرقاة إلى سعادتهم ، كما هو اعتقادنا . فكلّ ما كان من التكليف في الشريعة المقدّسة فهو من فضل اللّه ولطفه وسعة رحمته ، وإن
الرسائل الفقهية — صفحة 154
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١٥٤