ثبوتها بحسب تشريعها الواقعي ورافعها الواقعي على ما هو ثابت في نفس الأمر واللوح المحفوظ من الثبوت والارتفاع والسريان ، وتلحظ تارة باعتبار ثبوتها وارتفاعها بحسب الحكم الظاهري الذي يقتضيه النظر في الأدلّة الاجتهاديّة والأصول العمليّة إثباتا ونفيا ورفعا . فينبغي الكلام في كلّ مقام بحدوده من استلزامه للحرج المنفيّ في الشريعة المقدّسة السمحة وعدمه .
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فهو لا يخفى أنّ النجاسات مهما بلغت من الكثرة لا توجب بنفس وجودها حرجا على الشخص أو أفراد النوع ، وإنّما الذي يوجب الحرج كثرة ما يبتلى به في ساعته بحيث يعسر تطهيره واجتنابه لها .
ومن الواضح بعد الالتفات إلى أنّه لا يعلم بأنّ في الواقع ونفس الأمر في كلّ آن نجاسات يبتلى منها أفراد النوع بما يعسر اجتنابه وتطهيره ، وذلك لأنّ النجاسات وإن كانت تسري إن بقيت وتتضاعف بسريانها وبقائها فيما سرت إليه أضعافا مضاعفة ، إلّا أنّا نعلم أنّ الشارع جعل لها في نفس الأمر رافعا يرفعها ويقطع سلسلة سريانها ، كانعدام موضوعها واستحالته ، والشمس والانغسال بالماء الذي يحصل وإن كان بالمصادفة وبدون قصد ولا علم ولا اختيار ، ولو بنحو الغسل من الجنابة ، وبعد الأكل وبالتنظيف بالماء والتبرّد به ، ومزاولته في الأعمال في الأنهار والسقوط فيها وإصابة المطر وغير ذلك ، فضلا عن قصد تطهيرها ، خصوصا إذا كانت دائرة التطهير وعدم الانفعال في المياه عند اللّه أوسع ممّا بأيدينا بمقتضى الأدلّة والأصول ، ككفاية المرّة ومسمّى الجريان وطهارة ماء الغسالة وإنائها . وإن وردت النجاسة ونحو ذلك فيكون جلّ ملاقاة المتنجّس للماء بأقسامه مطهّرة للمتنجّس مع بقاء الماء على طهارته ، فينهدم بذلك الركن العظيم من أمر السريان وثبوت النجاسة في نفس الأمر . واحتمال أنّ المطهّرات في نفس الأمر والواقع أقلّ ممّا ثبت بالأدلّة الاجتهاديّة ، ويقابله احتمال أنّ النجاسة في الواقع أقلّ ممّا ثبت بالأدلّة المذكورة ، واحتمال زيادتها في الواقع يقابله احتمال زيادة المطهّرات أيضا .
الرسائل الفقهية — صفحة 152
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١٥٢