تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الفقهية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وأمّا التهويل المذكور بذكر اختلاط الناس ومجتمعاتهم وعدم المبالين بالنجاسة بينهم بل البانين على طهارة كثير من النجاسات ، فمنشأ الإعراض عن عروض الروافع للنجاسة والإغماض عن احتمال أنّ ما في نفس الأمر والواقع من النجاسات وروافعها أقلّ أو أكثر ممّا بأيدينا ، فغلب على الذهن فرض بقاء النجاسات وشيوع سريانها بلا عروض مطهّر أو مزيل لموضوع المتنجّس إلى أن يتفاقم الأمر فلا يبقى مع القول بتنجيس المتنجّس اليابس طاهر في البلاد ولا مطهّر في العباد . فدعوى هذا النحو من السريان مع الالتفات إلى كثرة عروض الروافع في الواقع ممّا يحتاج إلى تصفية الحساب من اللوح المحفوظ بمطالعته . وأيضا لو تنزّلنا وسلّمنا لقلنا : لا معيّن لكون الحرج المدّعى يجيء من ناحية تنجيس المتنجّس اليابس ، بل غاية ما يفرض هو حصوله من الكثرة الحاصلة من مجموع النجاسات والمتنجّسات ، فلما ذا يختصّ بتنجيس المتنجّس اليابس بالرفع لأجل الحرج ؟ ولما ذا لم يختصّ به تنجيس الرطب الخالي من عين النجاسة مع أنّه هو واليابس سيّان من حيث قذارة عين النجاسة وعدمها ؟ وأنّ اللّه ليس ممّن يفرّق في نفس الأمر بين القسمين بأنّه يستند التنجيس في الرطب إلى العين عرقا ، ولما ذا لم يرتفع تنجيسهما معا ، ويختصّ التنجيس بملاقاة عين النجاسة بالملاقاة التي ليس فيها مجازفة دعوى العرف ؟ هذا كلّه ، مع أنّه لا أثر لوجود النجاسة - وكثرة ما أفرطت في الكثرة - بالحرج ، ولتكن جميع ملابس الإنسان ومطعومه ومشروبه وأدواته نجسة ، فأيّ حرج في ذلك إذا لم يستتبع تكليفا حرجيّا . فالحرج إنّما يجيء من ناحية التكاليف الناشئة من جهة النجاسة التي ينتزع من بعضها أحكام وضعيّة كفساد الصلاة ونحوها . ولا أقول : إنّ الحرج ينشأ من ذات التكاليف والأحكام الواقعيّة ، بل المنشأ فعليّتها وتنجّزها ، وأنّ قسما عظيما من النجاسات في بعض أحوالها أو جميعها لا فعليّة لأحكامها ولا تنجيز ، وذلك لجريان استصحاب الطهارة وقاعدتها والغيبة في مجراها ، فلا حرج ولا ضيق كما هو الوجدان .