وثالثا : إنّ الكلام في الرواية مسوق لجهة الجنابة والبول معها للاستبراء ، وما يكثر في العادة من إصابتها من دون نظر إلى الاستقصاء في أسباب التنجيس . ولذا لم يقع التعرّض لإصابة الدم والعذرة وسائر النجاسات لا هنا ولا في روايتي سماعة الآتيتين .
وما ذكر نقضا من هذا القبيل لا ممّا يكثر الابتلاء به من جهة الجنابة .
وممّا ذكرنا يعرف وجه الدلالة الواضح في رواية أبي بصير الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه ؟ قال : « إن كانت قذرة فليهرقه ، وإن كانت لم يصبها قذر فليغتسل منه . هذا ممّا قال اللّه تعالى
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
» « 1 » . فإنّ القذرة هي ما تقذّرت وتنجّست بملاقاة النجاسة ، فالقذرة مساوقة بل مرادفة هنا للنجاسة ، وهي شاملة لما كان عليها عين النجاسة وما لم يكن ، رطبة كانت أو يابسة . ويكفينا الجدل باعتراف المباحث بشمول القذرة للنجسة اليابسة الخالية من عين النجاسة كما يبنى عليه استدلاله على الخلاف بحسنة محمّد بن ميسرة ورواية عثمان بن زياد ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى .
ومنها : صحيحة شهاب بن عبد ربّه ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها : « أنّه لا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء » « 2 » .
والشيء وإن كان عامّا لكلّ الأشياء لكنّ المقام وأنس الذهن ومرتكزه يقتضي أنّ المراد منه النجس ، وقل : إنّه نجس العين ، فإنّ الإصابة مطلقة غير مقيّدة بوجود عين النجاسة أو رطوبتها .
ومنها : موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « وإن كان أصابته جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس ، إن لم يكن أصاب يده شيء من المنيّ ، وإن كان قد أصاب يده فأدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه ، فليهرق الماء كلّه » « 3 » .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام 1 : 38 ، ح 103 ؛ الاستبصار 1 : 20 ، ح 46 ، والآية في سورة الحجّ ( 22 ) : 78 .
( 2 ) . الكافي 3 : 11 ، باب الرجل يدخل يده في الإناء ، ح 3 .
( 3 ) . تهذيب الأحكام 1 : 38 ، ح 102 .