لا يبنون على اضمحلال القذارة . ولو كان حكم الشارع على خلاف ذلك مطلقا ، أو في المتنجّس اليابس ، أو ما تعدّدت فيه الواسطة ، لقهر مرتكزاتهم بالبيان الواضح والردع المتكرّر ، وبيان أنّ الشريعة أوسع من ذلك حسبما تقتضيه وظيفة الأمناء على الشرع ، مع أنّه لا يوجد من ذلك عين ولا أثر مع توفّر الدواعي لذلك في كلّ زمان يوجد فيه المعصوم ظاهرا بين الناس ، بل قصر عن ذلك جعل الجاعلين وتواطؤ المسهّلين المتسامحين . ولا ينكر أنّ بناء العرف مستقرّ على تقذير المتقذّر لغيره وإن كان متقذّرا بوسائط ما لم تضمحلّ القذارة بنظره بحيث لا يعدّ متقذّرا عندهم بخلاف المتنجّس الأوّل ، فإنّ الغرض كونه متنجّسا والنجاسة لا تضمحلّ في الشرع إلّا بروافعها المقرّرة فيه ، وما لم يبلغ الملاقي مقدارا لا تؤثّر القذارة عندهم استقذارا فيه كالمياه الكثيرة بالنسبة لقدر القذارة ، كما جمع الشرع شمل ذلك بتحديده بمقدار الكرّ .
فانظر كيف ترى بناء العرف لو وقع مقدار معتدّ به من القيح في رطل من الماء وأصاب شيء من هذا الماء القذر مقدار رطل أو أقلّ من ماء آخر وإن لم يظهر أثر القيح للحسّ على الماء الثاني ، أو وقعت ملعقة صقيلة في عذرة أو قيح ، فهل يكتفى في أكل الطعام بها بمجرّد مسحها بحيث تزول العين ورطوبتها ويعدّ ذلك من الأكل الهنيء النظيف !
فإن قيل : من المحتمل قريبا أنّ جملة من النجاسات إنّما حكم الشارع بنجاستها لأجل التنفير عنها - كالكافر مثلا - لا لأجل قذارة شرعيّة فيها ولا عرفيّة ، فيسري هذا الاحتمال في كلّ نجاسة ، فيشكّ في تنجيس المتنجّس بها لملاقيه فتستصحب طهارته .
قلت : لو احتملنا ذلك لقلنا : إنّ الشارع بتسميته لها بالنجس أو النجاسة أو ما يرجع إلى ذلك قد قرن شؤون النفرة عنها واجتنابها بشؤون القذارة ، فتجري مجراها فيما بيّنه وفيما أحاله على العرف في شأن القذارات ، مضافا إلى استقصاء الأخبار الآتية إن شاء اللّه تعالى لأنواع النجاسات في الدلالة على أنّ المتنجّس بها ينجّس .
الرسائل الفقهية — صفحة 111
مساهمون: الشيخ محمد جواد البلاغي
ص١١١