وفيه نظر ؛ إذ غاية ما ثبت من أدلّة اعتبار القربة هو اعتبار الإعراض عن الإتيان بالعبادة لأجل غير الله وإشراكه له فيها ، ولا ينافي العبادة للّه والإخلاص له هذا القصد ، كما لا يخفى .
وقد يستدلّ بالإجماع الذي حكاه العلّامة رحمه اللّه في أجوبته عن مسائل مهنّا بن سنان قال :
اتّفقت العدليّة على أنّ من فعل فعلا لطلب الثواب أو لخوف العقاب فإنّه لا يستحقّ بذلك ثوابا « 1 » . انتهى .
وفيه ما لا يخفى ؛ لعدم حجّيّة المنقول من الإجماع ، مضافا إلى وهنه بمصير أكثر الأصحاب إلى خلافه .
ومثله الاستدلال بما دلّ على اشتراط الإخلاص ؛ نظرا إلى أنّ معناه : الخلوص عن جميع التوجّهات والغايات ، والغضّ عن كلّ الملاحظات .
وأنت خبير بأنّ هذه المرتبة هي المرتبة العليا التي لا تصل إليها أيدي العامّة من المكلّفين ، وإنّما هي خاصّة الكمّلين من الموحّدين ، فكيف يكلّف بها القاصرون ! ؟ مع أنّ التكليف إنّما هو على حسب الطاقة والمقدرة .
وقد يقال : إنّ المراد من عدم صحّة العمل بملاحظة الثواب ونحوه أن يلاحظهما من حيث هما ، بأن يجعل العمل مؤثّرا في الاستحقاق المذكور من غير أن يلاحظ كون العمل للّه وأنّه واسطة لذلك من قبل اللّه ، وحينئذ فلا خلاف في المسألة ؛ إذ الغضّ عن اللّه تعالى بالمرّة موجب للفساد قطعا .
ولكن كون مرادهم هذا في غاية البعد .
ودليل الأكثرين وجهان :
الأوّل : الآيات المرغّبة في الثواب ، والدالّة على ترتّبه على العمل .
مثل : قوله :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
« 2 » .
وقوله :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) أجوبة المسائل المهنائيّة ، ص 90 ، المسألة 140 .
( 2 ) الصافّات ( 37 ) : 60 و 61 .
( 3 ) الأعراف ( 7 ) : 56 .