ولا يعارضها ما تقدّم من الأخبار الدالّة على لزوم الترتيب بين الرّجلين ؛ لمخالفته للشهرة والإطلاقات والأصل المتقدّم إليه الإشارة ، مضافا إلى أنّ الأحدثيّة أيضا من المرجّحات ، وهي في طرف هذا التوقيع الشريف ، فيجب حمل الأخبار المنافية له بحسب الظاهر على الاستحباب .
فإن قلت : هذا التوقيع وإن كان يدلّ على نفي الترتيب بتجويز المعيّة إلّا أنّه مشتمل على ما لا يقول به الأكثرون ، وهو وجوب الابتداء باليمين لو ترك المعيّة .
قلنا : الغرض نفي الترتيب ، وهو متحقّق بعدمه في الجملة أيضا ، غاية ما في الباب اشتمال الرواية على أمر لا نلتزم به ؛ لما يأتي ، وهو غير قادح في الاستدلال ، كيف ! ولا يقدح اشتمال الرواية على الحكم المخالف للإجماع فضلا عن مثل هذا ، فليتأمّل .
دليل الثالث - أي القول بالتخيير بين المعيّة والابتداء باليمنى ، وهو ظاهر المحدّث العاملي في الوسائل « 1 » ، حيث أورد التوقيع المذكور من غير ذكر تأويل له ، والمحكيّ عن جملة من متأخّري المتأخّرين « 2 » ، قيل : وفي الذكرى حكاه أيضا عن بعض « 3 » ؛ للتوقيع المذكور .
وفيه : أنّ ضعفه بالنسبة إلى عدم وجوب الترتيب في الجملة وإن كان مجبورا بالشهرة العظيمة ، إلّا أنّه لا جابر له بالنسبة إلى لزوم الترتيب في صورة الانفراد ، كيف ! ولا قائل بمضمونه سوى شاذّ ، فلا يصلح لتقييد ما أشرنا إليه من الإطلاقات التي هي العمدة في الاستدلال على المشهور .
وحكى في الحدائق عن جملة من محقّقي متأخّري المتأخّرين إنكارهم لوجود دليل على هذا القول ، قال :
لعدم الوقوف على هذه الرواية حتّى تكلّف بعضهم للاستدلال عليه بما لا يخلو من شيء « 4 » . انتهى .
هامش
( 1 ) راجع وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 450 ، أبواب الوضوء ، الباب 34 ، ح 5 .
( 2 ) حكاه عنهم البحراني في الحدائق الناضرة ، ج 2 ، ص 359 .
( 3 ) ذكرى الشيعة ، ج 2 ، ص 155 .
( 4 ) الحدائق الناضرة ، ج 2 ، ص 360 .