رأيت زيدا فأعطه درهما وأكرمه وقل له : كذا وكذا » لا يفهم منه وجوب تقديم الإعطاء على الإكرام ، وهكذا ، بل المفهوم منه أنّه يجب وقوع هذه الأمور بعد الرؤية كيف اتّفق .
والقول بأنّ مقتضى التعقيب ، بلا فصل - كما هو مقتضى « الفاء » - أن لا يحصل بين ما قبلها وما بعدها فصل وتخلّل بشيء آخر ، لا يلتفت إليه ، فليتأمّل .
الرابع : الأخبار الواردة في هذا الباب .
منها : ما رواه الشيخ في التهذيب مرسلا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه طاف وخرج من المسجد فبدأ بالصفا ، وقال : « ابدءوا بما بدأ الله به » « 1 » . انتهى .
وجه الاستدلال : أنّ لفظة « ما » تدلّ على العموم ، والأمر على الوجوب ، فيجب الابتداء بما بدأ به الله مطلقا ، ومن جملته غسل الوجه ، ثمّ غسل اليد ، ثمّ مسح الرأس ، ثمّ مسح الرّجلين حيث قال :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
« 2 » . انتهى .
قال الشيخ رحمه اللّه :
فإن قيل : قوله : « ابدءوا بما بدأ الله » يقتضي أن يبدءوا قولا بما بدأ الله به قولا ، والخلاف إنّما وقع في البدأة بالفعل .
قلنا : لا يجوز حمل ذلك على القول من وجهين :
أحدهما : أنّه إذا قال : « ابدءوا بما بدأ الله به » وكان ذلك لفظ العموم ، يدخل تحته القول والفعل ، فليس لنا أن نخصّص إلّا بدليل .
والثاني : أنّه بدأ فعلا بالصفا وقال : « ابدءوا بما بدأ الله » فاقتضى ذلك : ابدءوا فعلا بما بدأ الله به قولا .
فإن قيل : على الوجه الأوّل إنّ قوله عليه السّلام : « ابدءوا بما بدأ الله » به يمنع من حمل قوله :
« ابدءوا » على العموم ، ألا ترى أنّ القائل إذا قال : « اضرب زيدا بما ضربه عمرو » وكان عمرو إنّما ضربه بعصا ، لم يجز أن يحمل قوله : « اضرب زيدا » على العموم في كلّ ما يضرب به ، بل يجب قصره على ما ضرب .
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 96 ، ح 250 .
( 2 ) المائدة ( 5 ) : 6 .