وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
« 1 » فأوجب غسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة بدلالة « الفاء » في قوله :
فَاغْسِلُوا
ولا خلاف أنّ « الفاء » توجب التعقيب ، وإذا ثبت أنّ البدأة في الوضوء بالوجه هو الواجب ثبت في باقي الأعضاء ؛ لأنّ الأمّة بين قائلين : قائل يقول بعدم الترتيب ويجوّز أن يبدأ بالرّجلين أوّلا ويختم بالوجه ، وقائل يقول : إنّ البدأة في الوضوء بالوجه هو الواجب ويوجب في باقي الأعضاء كذلك .
فإن قال قائل على هذه الطريقة : إنّ الفاء في الآية في هذا الموضع ليست للتعقيب ، بل هي للجزاء ، والفاء التي توجب التعقيب مثل قول القائل : اضرب زيدا فعمرا ، والفاء في الآية تجري في الجزاء مجرى قول القائل : إذا جاء زيد فأكرمه . والفرق بين الفاءين أنّ الفاء إذا دخلت للجزاء لا يصحّ قطع الكلام عنها ، وإذا كانت للتعقيب يصحّ قطع الكلام ، ألا ترى أنّه يصحّ في قولك : « اضرب زيدا فعمرا » أن تقتصر على قولك : اضرب زيدا ، ولا يصحّ في قولك : « إذا جاء زيد فأكرمه » الاقتصار على الشرط فقط .
قلنا : لا فرق بين الفاءين في اللغة ؛ لأنّه لا إشكال في أنّ الفاء في اللغة تقتضي التعقيب بعد أن لا تكون من نفس الكلمة ، ولا فرق في اقتضائها ما ذكرناه بين أن يكون جزاء أو عطفا ؛ لأنّ قول القائل : « إذا دخل زيد فأعطه درهما » الفاء فيه موجبة للتعقيب وإن كان جزاء ؛ لأنّه حين وقع منه الدخول استحقّ الإعطاء ، كما أنّه في قول القائل : « اضرب زيدا فعمرا » إذا وقع الضرب بزيد يجب أن يوقعه بعمرو ، فكيف يظنّ الفرق بين الفاءين ! ؟ « 2 » انتهى .
وفيه نظر ، لا لمنع إفادة الفاء الجزائيّة للتعقيب والترتيب - لشهادة اللغة والعرف بها ، مضافا إلى تصريح جماعة من النحاة بعدم اختصاص هذا المعنى بفاء العطف ، فتأمّل « 3 » - بل لأنّ غاية ما يستفاد منها في المقام أنّ مجموع هذه الأمور التالية لها يجب أن تكون عقيب القيام ، ولا دلالة في ذلك على الترتيب بين نفس تلك الأمور أيضا ، ألا ترى أنّه لو قيل : « إذا
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 6 .
( 2 ) التهذيب ، ج 1 ، ص 95 - 96 .
( 3 ) في هامش المخطوطة : « وجه التأمّل أنّ هذا التعقيب مفهوم أيضا من مطلق الجزاء وإن لم يكن فيه فاء . « منه » » .