وما نقلناه لك من شيخنا البهائي رحمه اللّه في تقريب هذا الحمل مبالغا فيه ومشنّعا على من شنّع عليه « 1 » ، بعيد كما عرفته ، بل قيل : إنّه تأويل بما لا يرضى به العلّامة ؛ إذ لا يوافقه كما بيّنّاه .
قال الشيخ يوسف رحمه اللّه في الحدائق بعد الإشارة إلى هذا الذي ذكرناه من أنّه حمل بعيد :
وعمدة ما يدور عليه كلامه - أي كلام البهائي - في الاستدلال على هذا القول وتشخيصه أنّه مراد العلّامة شيئان :
أحدهما : نسبة الفخر الرازي ومن تبعه ذلك إلى الشيعة .
وفيه : أنّ الفخر الرازي قد نقل ذلك عن الأصمعي كما قدّمنا نقله عنه ، مع أنّك قد عرفت - ممّا نقله شيخنا الشهيد في الذكرى عن أبي عمرو الزاهد - أنّ مذهب الأصمعي في الكعب إنّما هو مذهب العامّة ، وبذلك صرّح أحمد بن محمّد الفيّومي في كتاب المصباح المنير ، وحينئذ فإذا احتمل تطرّق الاختلال إلى نقله عن علماء مذهبه فبطريق أولى إلى مذهب الشيعة . ويؤيّده ما قدّمنا نقله عن ابن الأثير من أنّ مذهب الشيعة أنّهما العظمان اللّذان في ظهر القدم ، وما صرّح به في المصباح المنير أيضا حيث قال : « وذهبت الشيعة : إلى أنّ الكعب في ظهر القدم ، وأنكره أئمّة اللغة كالأصمعي وغيره » .
وثانيهما : صحيح زرارة وأخيه المتقدّم ذكره ، وهو بعد ما عرفت - من ظهور هذا المعنى من كلام الأصحاب سيّما كلام الشيخين في المقنعة والتهذيب ، وظهوره أيضا من تلك الأخبار المتقدّمة - يجب إرجاعه إلى ما عليه الأصحاب ، سيّما مع عدم الصراحة ؛ لما عرفت من تطرّق الاحتمال إلى المعنى الذي فهموه منه ، وجملة المتقدّمين من الأصحاب لم يفهموا منه المخالفة ؛ لما قرّروه في عبائرهم من معنى الكعب المشهور ، ولهذا أنّ الشيخ في التهذيب - بعد ذكر ما قدّمنا نقله عنه ممّا هو صريح في المعنى المشهور - نظم هذه الرواية في تلك الأدلّة على ذلك ، ولم يجعلها في قالب المخالف ، والمحقّق في المعتبر كذلك بعد ما عرّف الكعب بأنّه قبّة القدم ، وما ذاك كلّه إلّا لفهمهم الانطباق على المعنى المشهور وإن احتيج إلى ارتكاب نوع من المجاز .
هامش
( 1 ) راجع ص 261 وما بعدها .