فكلام المشرّحين صريح في أنّ الكعب هو ذلك العظم الذي في المفصل .
وقد علمت ممّا تضمّنه الحديث وكلام أهل اللغة : أنّ نفس المفصل يسمّى كعبا أيضا ؛ ولعلّه لمجاورة هذا العظم ، فصار ما يطلق عليه اسم الكعب أربعة : قبّة القدم أمام الساق ، وأحد الناتئين عن يمين القدم وشماله ، ونفس المفصل ، والعظم الناتئ في القدم الداخل طرفاه في حفرتي عظم الساق ؛ وكثيرا ما يعبّر عنه بالمفصل أيضا ، وهذا الآخر هو الكعب عند العلّامة رحمه اللّه ، فإنّه لا ينكر أنّ الكعبين عظمان ناتئان ، وقد صرّح في التذكرة بذلك وفسّرهما بمجمع الساق والقدم ، ونقل إجماع علمائنا عليه ، وقال : « إنّه مذهب محمّد بن الحسن » « 1 » .
ويشهد لما ذكره رحمه اللّه من نسبة هذا القول إلى علمائنا : أنّ كتب العامّة وتفاسيرهم مشحونة بأنّ الكعب عند القائلين بالمسح هو العظم الذي في المفصل .
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير عند قوله تعالى :
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
« 2 » :
« جمهور الفقهاء على أنّ الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق . وقالت الإماميّة وكلّ من ذهب إلى وجوب المسح : إنّ الكعب عبارة عن عظم مستدير - مثل كعب الغنم والبقر - موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم ، وهو قول محمّد بن الحسن ، وكان الأصمعي يختار هذا القول .
ثمّ قال : حجّة الإماميّة : أنّ اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات ، فوجب أن يكون في حقّ الإنسان كذلك ، والمفصل يسمّى كعبا ، ومنه كعاب الرمح لمفاصله ، وفي وسط القدم مفصل ، فوجب أن يكون الكعب » . انتهى كلامه .
وقال صاحب الكشّاف عند تفسير هذه الآية : « لو أريد المسح لقيل : إلى الكعاب ؛ لأنّ الكعب إذ ذاك مفصل القدم ، وهو واحد في كلّ رجل . فإن أريد كلّ واحد فالإفراد وإلّا فالجمع ، وأمّا إذا أريد الغسل فهما الناشزان ، وهما اثنان في كلّ رجل فيصحّ التثنية باعتبار كلّ رجل » هذا كلامه .
وقال الفاضل النيشابوري في تفسيره - بعد ما نقل مذهب الجمهور من أنّ الكعبين هما
هامش
( 1 ) تلميذ أبي حنيفة . ( الهامش ) .
( 2 ) المائدة ( 5 ) : 6 .