وأجيب عن هذا الاستدلال بوجهين :
الأوّل : أنّ التعارض بين هذه الأخبار وما تقدّم بدويّ ؛ لإطلاقها وتقييده ، والمطلق محمول على المقيّد ، فليتأمّل .
وسلّمنا التعارض ، ولكنّ الترجيح في جهته ؛ لموافقته للشهرة العظيمة ، بل الإجماع في الحقيقة بخلافها ، فليتأمّل .
والثاني : أنّ الاستدلال المذكور إنّما يتمّ لو كانت لفظة « ما » في قوله : « ما بين كعبيك » نكرة موصوفة بمعنى شيء - كما في قولهم : مررت بما معجب لك ، أي بشيء معجب - فيكون بدلا عن قوله : بشيء من قدميك . فالتقدير : وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بما بين كعبيك ، أي بشيء موصوف بوقوعه بينهما ؛ إذ المبدل منه ساقط عند التأويل ، والظرف الواقع صفة أو خبرا أو حالا أو غير ذلك - ممّا هو مفصّل في مقامه - يجب حذف متعلّقه ، فلا بدّ من أن يكون التقدير بشيء واقع بينهما أو يكون بينهما ، على الخلاف المعروف في حذف المتعلّق .
وأمّا لو جعلت « ما » معرفة موصولة بمعنى « الذي » - كما في قوله [ تعالى ] :
وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ
« 1 » وقول الشاعر :
كأنّ ما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل « 2 »
أي : كأنّ الذي فات برطيل - فلا دلالة على كفاية المسمّى ؛ إذ الموصول مفيد للعموم كما قرّر في الأصول ، فيكون التقدير : وإذا [ مسحت ] بشيء من رأسك ، أو بالمسافة الكائنة بين كعبيك إلى أطراف الأصابع ، أو بشيء من قدميك ، وهو المسافة الكائنة ، إلى آخره ، أو بشيء من قدميك ، أعني المقدار الذي يكون بين كعبيك ، إلى آخره .
وتوضيح ذلك : أنّ « ما » حينئذ إمّا بدل من قوله : « بشيء » أو خبر لمبتدأ محذوف ، أو مفعول لفعل كذلك . وعلى هذا ، فالأخبار المذكورة من أدلّة وجوب الاستيعاب ؛ لإفادتها بمفهوم الشرط توقّف الإجزاء المساوق للامتثال ، أو أقلّ الواجب على مسح مجموع
هامش
( 1 ) القصص ( 28 ) : 76 .
( 2 ) الشاعر كعب بن زهير ، راجع ديوانه ، ص 12 . والبرطيل : حجر أو حديد فيه طول ينقر به الرحى ، خلقته كذلك ، ليس ممّا يطوّله الناس ، ولا يحدّدونه ، وقد يشبّه به خطم النجيّة . العين ، ج 7 ، ص 471 . « ب ر ط ل » .