وغيرهما على وجه الحقيقة حيث لم تخرج عن إفادة المعنى المذكور ، وحيث ثبت أنّها للتحديد ، فهي في الآية مفيدة للتحديد في المسح ، بمعنى أنّ الكعبين غاية للمسح ، فيكون تقدير الآية : « ليكن مسحكم على الأرجل منتهيا إلى الكعبين » إذ ميزان الانتهاء هذا التأويل في جميع الموارد .
ألا ترى أنّ قولهم : « سرنا من البصرة إلى الكوفة » في تأويل : أنّ السير قد انتهى عند الكوفة . وقوله تعالى :
أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
« 1 » في تأويل : كان منتهى الإسراء المسجد الأقصى ، وهذا واضح .
واعترض عليه بوجوه :
[ الوجه ] الأوّل : أنّ « إلى » كما تحتمل أن تكون مفيدة لانتهاء غاية المسح تحتمل أن تكون غاية للمحلّ الممسوح ، بأن يكون مفادها أنّه يجزئ المسح على أيّ جزء من الأجزاء الواقعة فيما بين الأصابع والكعبين ، بمعنى كون ما فوق الكعب خارجا عن محلّ المسح المجتزأ به ، وحينئذ فلا يصحّ الاستدلال بالآية على وجوب الاستيعاب الطولي ، بل مقتضى الاحتمال المذكور كفاية المسمّى .
وفيه نظر ؛ إذ مجرّد الاحتمال لا يوجب سقوط الاستدلال ، وإلّا لبطل كثير من الاستدلالات ، بل الحكم حينئذ التدبّر في هذا الاحتمال .
فإن كان مساويا للاحتمال الذي هو منشأ الاستدلال ، أو أظهر منه بأحد الوجوه ، يسقط الاستدلال ؛ لمكان الإجمال في الأوّل ، وترجّح الظاهر على خلافه في الثاني .
وأمّا لو كان الاحتمال المستدلّ به أظهر ، فلا مناص من العمل به ، وإسقاط الاحتمال المعارض ، بل لا يصلح حينئذ للمعارضة .
والأمر في المقام من هذا القبيل ؛ إذ المتدبّر المنصف إذا تدبّر في الآية هنيئة يتبادر إلى ذهنه ما ذكرناه من إفادتها الانتهاء للمسح ، بل لا أظنّ المخالف أيضا أن ينكر هذا بحسب ملاحظة الآية من حيث هي ، سيّما بعد غلبة مثل هذا التركيب في إرادة الانتهاء لأصل الفعل
هامش
( 1 ) الإسراء ( 17 ) : 1 .