لأنّه على تقدير ثبوته لا يعارض نصّ جماعة « 1 » من محقّقي النحاة على مجيئها له ؛ لكونه شهادة على النفي ، والشهادة على الإثبات مقدّمة عليها قطعا .
وقد يقال : إنّ سيبويه إنّما نفاه عن البصريّين « 2 » . وكيف كان فلا شبهة في مجيئها لهذا المعنى .
والقول بأنّه مجاز فلا يصار إليه إلّا بالقرينة وليست ، ممنوع ؛ إذ لزوم اللغو على تقدير حملها على غير هذا المعنى قرينة على إرادته منها .
قال الشيخ أبو جعفر رحمه اللّه في التهذيب - بعد جملة من كلامه - :
ولا يجوز حملها على الزيادة والإلصاق إلّا لضرورة ؛ لأنّ حقيقة موضع الكلام للفائدة خاصّة إذا صدر من حكيم عالم ، وبهذا يتميّز عن كلام الساهي والنائم والهاذي ، ولأنّ « الباء » إنّما تدخل للإلصاق في الموضع الذي لا يتعدّى الفعل إلى المفعول بنفسه ، مثل قولهم : مررت بزيد ، وذهبت بعمرو ، فالمرور والذهاب لا يتعدّيان بأنفسهما ، فدخلت « الباء » لتوصل الفعلين إلى المفعولين ، فأمّا إذا كان الفعل ممّا يتعدّى بنفسه ولا يفتقر في تعديته إلى « الباء » ووجدناهم أدخلوا « الباء » عليه علمنا أنّهم أدخلوها لوجود فائدة لم تكن ، وهي التبعيض ، وقوله تعالى
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
ممّا يتعدّى الفعل بنفسه ، ألا ترى أنّه لو قالوا : « امسحوا رءوسكم » كان الكلام مستقلّا بنفسه مفيدا ، فوجب أن يكون لدخولها في هذا الموضع فائدة مجدّدة حسب ما ذكرناه ، وليس هو إلّا التبعيض ؛ لأنّا متى حملناها على ما ذهب إليه الخصوم من الإلصاق والزيادة كان دخولها وخروجها على حدّ سواء ، وهذا عبث لا يجوز على الله « 3 » . إلى آخره ، انتهى .
على أنّ ما ورد في المقام من أئمّتنا الطاهرين العالمين بحقائق القرآن الراسخين في علمه كاف لحمل « الباء » على التبعيض .
وقد روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : ألا تخبرني من أين
هامش
( 1 ) منهم : ابن هشام في مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 105 . وحكاه فيه عن الأصمعي والفارسي والقتبي ابن مالك ، وأيضا راجع النحو الوافي ، ج 2 ، ص 492 .
( 2 ) القائل هو الخوانساري في مشارق الشموس ، ص 112 .
( 3 ) تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 60 - 61 .