وتقريره ما تقدّم إليه الإشارة متكرّرة من أنّ الحدث قد ثبت فيجب القطع بالرافع ، ولا يحصل إلّا بما إذا كان بالجريان .
وفيه نظر ؛ إذ الثابت وجوبه الغسل ، فيكتفى فيه بالمسمّى ، والجريان لم يثبت اشتراطه - كما يأتي - فينفى بالأصل .
والقول بأنّ الغسل مجمل فتجري أصالة الاشتغال ممنوع ، كما تعرفه ، فليتأمّل .
ومنها : ظاهر الآية « 1 » ، والسنّة المستفيضة الآمرة بالغسل في الوجه واليدين ، حيث إنّ الغسل حقيقة فيما كان معه جريان ؛ للتبادر ، وصحّة سلبه عند عدم الجريان .
وفيه نظر ؛ إذ المناط في صدق هذا اللفظ إمّا الوضع في أصل اللغة ، أو في العرف ، وليس شيء من ذلك حاكما في المقام .
أمّا الأوّل : فلعدم تصريح أهل اللغة باشتراط الجريان في تحقّق مفهوم الغسل ، والتبادر لو سلّم فإنّما يكون منشؤه غلبة الاستعمال ، الناشئة من غلبة هذا الوصف عند الغاسلين ، حيث إنّ الغسل الخالي عن الإجراء في غاية الندرة ، ومثل هذا التبادر لا يصلح أمارة للوضع ، فليتأمّل . وصحّة السلب غير مسلّمة .
وأمّا الثاني : فلأنّ العرف دالّ على الأعمّ ، بمعنى أنّه يصدق الغسل عند أهل العرف على ما يكون معه الجريان وما لا يكون كذلك .
وقد يقرّر الدليل بأنّ إطلاق الغسل المشتمل عليه الكتاب والسنّة منصرف بحكم الغلبة إلى ما يكون معه الجريان ، والأحكام الشرعيّة واردة غالبا مورد الغالب المتعارف ، ولا ريب أنّ الغالب المتعارف في الغسل مطلقا ذلك ، فقوله :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
« 2 » إلى آخره ، في تأويل : « فاغسلوها بالطريقة المعروفة من الغسل » فلا يكون أمر بالنسبة إلى الغسل بالطريق النادر الوقوع .
وهذا حسن ، إلّا أن يقال : إنّ المعتبر في انصراف المطلق غلبة استعماله ، لا غلبة الوجود الخارجي ، فليتدبّر .
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 6 .
( 2 ) المائدة ( 5 ) : 6 .