ولي فلان الكوفة إلى البصرة ، وإنّما يريدون مع البصرة من غير التفات إلى الغاية . ويقولون أيضا : فعل فلان كذا وأقدم على كذا إلى ما فعله من كذا وكذا ، وإنّما يريدون مع ما فعله .
وبعد فإنّ لفظة « إلى » إذا احتملت الغاية واحتملت أن تكون بمعنى « مع » فحملها على معنى « مع » أولى ؛ لأنّه أعمّ في الفائدة ، وأدخل في الاحتياط لفرض الطهارة .
وشبهة من أخرج المرافق من الوضوء : أنّه جعل « إلى » للغاية والحدّ ، وظنّ أنّ الحدّ لا يدخل في المحدود .
وهذا ليس بصحيح ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ لفظة « إلى » مشتركة بين الغاية وغيرها ، ولو حملت على الغاية لكان دخول المرافق واجبا ؛ لأنّه أولى في باب الاستظهار للفرض والاحتياط ؛ ولأنّ الحدث قد حصل يقينا فلا يجوز إسقاطه بالشكّ « 1 » . انتهى .
ومن هذه العبارة يظهر أنّ المسألة مجمع عليها بين الفريقين ، سوى شاذّ من العامّة لا يعبأ به قطعا .
واستدلّ عليها - مضافا إلى هذا - بوجوه :
منها : ما أشار إليه السيّد من الآية المذكورة ؛ نظرا إلى أنّ لفظة « إلى » مشتركة بين المعنيين ، وحملها على أحدهما مفتقر إلى المرجّح ، وليس إلّا لحملها على معنى « مع » .
وفيه نظر ؛ إذ المتبادر من اللفظة انتهاء الغاية ، مضافا إلى شيوع استعمالها فيه بحيث يحتاج إرادة غيره منها إلى القرينة ، وقد ثبت في الأصول أنّ التبادر من علائم الوضع ، فيكون حقيقة فيه .
نعم ، قد يستعمل في محلّ « مع » عند الكوفيّين وجماعة من البصريّين كما ذكره ابن هشام ، « 2 » مثل قوله :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
« 3 » وقولهم : الذود إلى الذود إبل « 4 » ، ونحو ذلك ممّا تقدّم ، ولا دلالة فيه على الوضع ؛ لأعمّيّة الاستعمال كما ثبت في محلّه ، فحمل « إلى » على معنى « مع » مجاز مفتقر إلى القرينة ، وهي في المقام مفقودة قطعا بعد الغضّ عن الإجماع وغيره .
هامش
( 1 ) مسائل الناصريّات ، ص 116 - 118 ، المسألة 28 .
( 2 ) مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 105 .
( 3 ) آل عمران ( 3 ) : 52 ؛ الصفّ ( 61 ) : 14 .
( 4 ) أي : إنّ القليل مع القليل كثير . راجع مجمع الأمثال ، ج 1 ، ص 288 .