ومنها : أنّ الظاهر من نفي التخليل فيما تقدّم نفي مشروعيّته ، فليتأمّل .
ومنها : ما دلّ على حرمة التعدّي عن حدود الله « 1 » ، ويحتمل دخول التخليل في عنوان التعدّي المنهيّ عنه ، ومعه لا يلائم الاستحباب .
ومنها : أنّ التخليل مذهب العامّة ، ويدلّ عليه مكتوب الكاظم عليه السّلام لعليّ بن يقطين لمقام التقيّة ، رواه المفيد رحمه اللّه عن محمّد بن إسماعيل ، عن محمّد بن الفضل ، وهو أنّ عليّ بن يقطين كتب إلى أبي الحسن موسى عليه السّلام يسأله عن الوضوء ؟ فكتب إليه أبو الحسن عليه السّلام : « فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا ، وتستنشق ثلاثا ، وتغسل وجهك ثلاثا ، وتخلّل شعر لحيتك ، وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثا ، وتمسح رأسك كلّه ، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما ، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ، ولا تخالف ذلك إلى غيره » .
فلمّا وصل الكتاب إلى عليّ بن يقطين تعجّب بما رسم له فيه ممّا جميع العصابة على خلافه ، ثمّ قال : مولاي أعلم بما قال ، وأنا أمتثل أمره ، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحدّ ، ويخالف ما عليه الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن عليه السّلام ، وسعي بعليّ بن يقطين إلى الرشيد ، وقيل : إنّه رافضي ، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر ، فلمّا نظر إلى وضوئه ناداه : كذب - يا عليّ بن يقطين - من زعم أنّك من الرافضة ، وصلحت حاله عنده ، وورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السّلام : « ابتدئ من الآن - يا عليّ بن يقطين - وتوضّأ كما أمرك الله ، اغسل وجهك مرّة فريضة ، وأخرى إسباغا ، واغسل يديك من المرفقين كذلك ، وامسح بمقدّم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك ، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك ، والسلام « 2 » . انتهى .
ولا ريب أنّ في ذكره التخليل أوّلا لمكان الاتّقاء ، وعدم تعرّضه له ثانيا مع ذكره الإسباغ المستحبّ دلالة واضحة على عدم استحباب التخليل ، وأنّه من بدع العامّة ، فليتأمّل .
وللثالث : أنّه لا قائل بوجوب التخليل في الكثيف ، فلا وجه للاحتياط ، بخلاف الخفيف
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 229 .
( 2 ) إرشاد الأذهان ، ج 2 ، ص 227 - 228 ؛ وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 444 - 445 ، أبواب الوضوء ، الباب 32 ، ح 3 .