والحاصل : أنّ الغسل لم يكن مفهومه مجملا لا لغة ولا عرفا ، وقد تحقّق الامتثال بالأمر به كما هو المفروض ، والآن قد حصل الشكّ في أنّه هل يجب غسل الموضع المفروض أم لا ؟
ولا ريب أنّ الأصل قضيّته الثاني ؛ إذ الشكّ متعلّقه حينئذ التكليف الزائد .
وما يقال من أنّ الشكّ حينئذ يوجب الشكّ في حصول الامتثال ، موهون بحصول القطع حينئذ أيضا بكون التكليف قبل ذلك غسل الظاهر في الآن السابق ، وإنّما الشكّ في زيادة التكليف الآن ، فلا تجري أصالة الاشتغال ؛ لارتفاعها بالامتثال السابق القطعي . ودعوى سريان الشكّ اللاحق ممنوعة ، كما لا يخفى ، فليتعمّق .
( و ) الفرض الثالث [ من واجبات الوضوء ] : غسل اليدين مع المرفقين )
إلى أطراف الأصابع . وفي بعض نسخ المتن : « من المرفقين » .
والعبارة على الأوّل - كما هو في أكثر النسخ - صريحة في دخول المرفقين في محلّ الغسل ، بخلافها على الثاني ، كما لا يخفى ، إلّا أنّ وجوب غسلهما - كوجوب غسل أصل الذراع - إجماعيّ عندنا وعند أكثر العامّة ، وبه صرّح السيّد المرتضى رحمه اللّه في المسائل الناصريّة أيضا ، حيث قال :
وعندنا أنّ المرافق يجب غسلها مع اليدين ، وهو قول جميع الفقهاء إلّا زفر ابن الهذيل وحده ، وحكي عن أبي بكر بن داود الاصفهاني مثل قول زفر في هذه المسألة .
دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه : إجماع الفرقة المحقّة . وأيضا قوله تعالى :
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
« 1 » . ولفظة « إلى » قد تستعمل في الغاية ، وتستعمل أيضا بمعنى « مع » وكلا الأمرين حقيقة .
قال الله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
« 2 » . أراد - بلا خلاف - مع أموالكم ؛ وقال تعالى حاكيا عن عيسى عليه السّلام :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
« 3 » . أراد مع الله . ولقول العرب :
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 6 .
( 2 ) النساء ( 4 ) : 2 .
( 3 ) آل عمران ( 3 ) : 52 ؛ الصفّ ( 61 ) : 14 .