المقام جمع من الأصحاب .
وفيه : أنّ التسامح إنّما يقال به في غير صورة احتمال الحرمة ، وقد صرّح جماعة بأنّ التخليل ممّا أطبق عليه جمهور العامّة « 1 » وأنّ المستفاد من بعض الروايات أنّه من بدعهم ، مضافا إلى ظاهر ما تقدّم النافي للتخليل .
ومنها : ما يأتي من استحباب إسباغ الوضوء ؛ نظرا إلى أنّ التخليل منه . وفيه ما ترى .
ومنها : أنّ هذا مقتضى الجمع بين ما تقدّم من الأخبار وما رواه العامّة : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فعله ، وأنّه قال : « أمرني جبرئيل من ربّي أن أغسل فنيكيّ عند الوضوء » « 2 » . انتهى . وفي بعض النسخ « أتعاهد فنيكي » « 3 » . انتهى .
قال في النهاية - لابن الأثير - :
الفنيكان : العظمان الناشزان أسفل من الأذنين بين الصدغ والوجه ، وقيل : هما العظمان المتحرّكان من الماضغ دون الصدغين ، ومنه حديث عبد الرحمن بن سابط : « إذا توضّأت فلا تنس الفنيكين » . وقيل : أراد به تخليل أصول شعر اللحية « 4 » . انتهى .
ووجه الجمع : أنّه يحمل ما دلّ على نفي التخليل على نفي وجوبه ، وما دلّ على مطلوبيّته على الاستحباب .
وفيه - مضافا إلى أنّ الجمع فرع التكافؤ وفقد المرجّح ، مع أنّ الشهرة مرجّحة لما دلّ على النفي - : أنّ ما دلّ على المطلوبيّة مرويّ من طرق العامّة ، فكيف يمكن الجمع ! ؟ وهذا واضح .
وللثاني - وهو مختار الأكثر ، بل لا خلاف فيه يظهر إلّا ممّن شذّ وندر - وجوه :
منها : الأصل ، حيث إنّ الأحكام الشرعيّة مطلقا توقيفيّة ، فمتى لم يدلّ دليل على شيء منها لا يجوز القول به ، والتسامح لا يجري في المقام ، كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) انظر المعتبر ، ج 1 ، ص 142 ، ومنتهى المطلب ، ج 2 ، ص 24 ، ورياض المسائل ، ج 1 ، ص 125 .
( 2 ) كنز العمّال ، ج 9 ، ص 302 ، ح 26105 .
( 3 ) النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج 3 ، ص 476 .
( 4 ) النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج 3 ، ص 476 .